اعرف متى تتقاعد
أبو ظافر المطيري
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع أبو ظافر المطيري
اعرف متى تترك العمل

من أصعب القرارات على أصحاب الأعمال، ترك أعمالهم والتقاعد. علم بول أنه يأخذ الأمور بعصبية زائدة، وأن الآلام كانت تهاجمه ليل نهار، من كثرة ما أهتم، وأعمل التفكير والتدبير، ولذا أدرك أن عليه الرحيل عن شركته، والانتباه إلى مباهج الحياة، بعد ثلاثين عاما قضاها في تكبير حلمه الصغير، حتى جعله تجارة ذات مبيعات قدرها 2 مليار دولار سنويا.

حين تقاعد والد بول، لم يعش بعدها سوى سنوات خمسة، إذ هجم عليه الاكتئاب والاغتمام، مثله مثل الكثير من الرجال، الذين يستيقظون يوما ليجدوا أنفسهم غير مضطرين للذهاب إلى العمل، فإما أن يبتهجوا، وإما أن يكتئبوا، مثلهم مثل السجين الذي قضى نصف عمره خلف القضبان، ويوم أن خرج إلى الحرية بكى، وهاج وماج ثم عاد إلى السجن، فهو اعتاد عليه، دون أن يدري.



تجد في العالم مدارس ومعاهد وخبراء في تنمية النشاط التجاري، لكنك لا تجد من يعلمك كيف أن عليك التفكير في يوم ترحل فيه عن العمل اليومي، والانخراط في نشاطات أخرى. عرف بول أن لديه الاستعداد البدني للإصابة بأزمات قلبية نتيجة ضغوط العمل، ولما لم يرد أن يمت على هذه الطريقة، قرر بول الرحيل، والتحول إلى نشاطات تجارية أخرى، عادت عليه بالمزيد من الأرباح، وتحول إلى التدريس، الذي يراه فرصة للعمل الخيري السديد.

[quote]
حتى لا أطيل عليكم، ولأني أرى أن هذا الفصل يهم طائفة بعينها من أصحاب الأعمال، لا أظنها تقرأ لمجهول مغمور مثلي، لذا أنصحكم حين تبلغون العقد الرابع أو الخامس، بالتفكير والاستعداد للرحيل عن عملكم الخاص، ومثل هذا الكتاب سيعطيكم تجربة ناجحة أخرى في التخلي عن عمل، والانخراط في أعمال أخرى.

[/quote]
الفصل الرابع عشر: جدد أهدافك

بعدما تقاعد بول، كان عليه أن يشغل نفسه بأهداف جديدة، وألا يسمح للاكتئاب بالهجوم عليه، فهو يؤكد على أن أصعب شيء عليه هو دخول محل من محلاته بعدما لم تعد ملكا له، والأصعب أن يجد العاملين فيها يقبلون عليه ليخبروه بمشاكلهم حتى يحلها لهم، رغم معرفتهم أنه ترك حلمه القديم يسير بدونه.

يشكو الأزواج من زوجاتهم دائما، لكنهم يموتون بدونهن، وتعلم الزوجات هذه الحقيقة، لذا تجدهن يضحكن من هذه الشكاوي ويمضون يضايقون أزواجهن، إنهن من الذكاء بمكان، يعلمون أن هذه المضايقات هي التي تعين الأزواج على نسيان الأسباب التي تستحق الضيق منها فعلا في الحياة.

يرى البعض التقاعد على أنه حكم بالإعدام، لذا ينفذونه بأنفسهم على أنفسهم، لكن هناك طرق أخرى لتقبل هذا الأمر، من ضمنها البحث عن أهداف جديدة للعيش من أجلها. هذه الطريقة غير قاصرة على المتقاعدين، بل تفيدنا جميعا، خاصة في تلك المرات، حين نخسر كل شيء، ونرى أحلامنا تجري مدبرة عنا.

يعود بول المتفائل ليؤكد لنا أن الانسحاب من الحياة غير وارد على قائمة أعماله، لكنه عوضا عن ذلك يقوم دائما بإعادة تجديد قائمة أهدافه في الحياة، عبر إعادة تقييم كل شيء. هذا التقييم الجديد، ليس قاصرا على من تقاعد، بل يشمل كل من هو مطحون في وظيفة هو غير راض عنها، ذلك لأن قصص التاريخ تثبت أن كل من تمرد من أجل وظيفة/عمل/عيشة أفضل، انتهى به الأمر – في أغلب الحالات – في حال أحسن. كن منتبها دائما، باحثا عن الفرص السانحة.

ثم يحكي لنا بول عن تحوله إلى مستثمر، مشاركا للعديد ممن عملوا معه في مشاريع جديدة، وعن مشاريعه الخيرية لمساعدة الأطفال والناشئة على التعلم، ليس التعلم من الكتب، بل من الحياة، ومن الطبيعة. كذلك يدعم بول مشاريع تثقيف الوالدين على طرق أفضل لتربية الأبناء، ومساعدتهم على اكتشاف أي عيوب أو أمراض تشوب صحة أطفالهم، وتدربهم على كيفية التعامل معها. وأما عوائد كتاب بول الذي لخصناه هنا، فستعود إلى برامج تعليمية وإرشادية.

لا، لا يحكي بول عن أفعاله هذه بحثا عن إطراء أو إعجاب، إنه يفعل ذلك ليساعدك على البقاء مشتبكا مع الحياة والعالم الذي نعيش فيه، من أجل حثنا جميعا على المساهمة في كل ما ينفع مجتمعنا الذي نعيش فيه، على أن نرد الجميل: إلى الحياة، وإلى البشر.

فن الحياة هو أن نعيد اكتشاف أنفسنا كل يوم، وأن نستكشف العالم من حولنا، كما هو، لا من خلال عيون من سبقونا، أو من حولنا، أو من خلال أحكام سابقة أصدرناها لسبب أو لآخر. لا تتوقف عن التساؤل عما حولك وفي عالمك، واستمر في أن تحلم، وتلعب، ولا تتنازل عن حقك في حياة كريمة.





نشر بتاريخ 25-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة