القطاع الخاص وإشكالية الظالم والمظلوم
ابو عمر الغامدى
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع ابو عمر الغامدى

القطاع الخاص وإشكالية الظالم والمظلوم







بلا حائط يسندون عليه حياتهم يواصلون فعل رفدهم لساقية الاقتصاد المحلي. وفي زحمة ما يقال عن اقتصاد السوق وحرية التجارة يتحول موظفو القطاع الخاص وحقوقهم إلى كرة قدم تتقاذفها أهواء أرباب الجهات التي يعملون فيها. هذا بصورة عامة وما كان شاذا عنها هو النادر الذي لا حكم يبنى على أساسه. عليه يظهرون كمن يهبون أعمارهم ويقذفون بها إلى قرار هوة لا يعرفون نهايتها، إذ بدأت أخيرا ظاهرة التذمر من تدني مستوى الرواتب في أوساطهم تزداد حدة، بعد الإقرار الأخير للجرعات السعرية التي شهدتها البلاد منتصف العام الماضي والتي عملت على مضاعفة تعقيدات الظروف المعيشية للمواطنين بشكل عام. وفي حين وجد الفرد المرتبط الرسمي زيادة طفيفة على أجره الشهري لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للفرد المرتبط بالقطاع الخاص، إذ تختلف الحالة فلم يجد غير عمله على مضاعفة جهده اليومي. لكن هذا أيضا كان دون جدوى، فالزيادة التي تحصل عليها كانت طفيفة إلى درجة أظهرت شكل الوظيفة في القطاع الخاص وكأنها أشبه بعمل السخرة وفوق ذلك يتعرض من يبدي أي بادرة إحتجاج لكافة أشكال التهديد بالطرد من شح الوظائف وصعوبة الحصول عليها، بما يجعل أمر التلويح بتقديم إستقالة أشبه ما يكون بالقيام بعملية إنتحارية، فعلى الجميع إذا الإذعان والقبول، فدائما ينظرون إلى شارة مرفوعة على واجهة مقار أعمالهم تقول: ( الذي مايعجبوش... مع السلامة).


يبذل العاملون في القطاع الخاص جهدا يوميا لفترتين من الصباح وحتى المساء وكما يقول أحد العاملين فإن موظفي القطاع العام يستطيعون زيادة دخلهم من خلال العمل في الفترة المسائية أما نحن فنحرق يومنا كاملا في مكان واحد وبراتب ضئيل جدا، وبالتالي تكون أستهلكت جهودك وأهملت واجباتك المنزلية. وقال بحسرة ( كأنهم أشترونا).

وآخر يقول: نشقى حتى خارج أوقات الدوام الرسمي وعندما نطالب بالإضافي يقولون لك هذه ظروف العمل، والأشد وقعا هو إستقطاع جزء كبير من الراتب إن لم يكن كله بسبب مديونية أو حطأ. وما يثير السخرية إيقاف راتب موظف بحجة نقص المبيعات في شهر معين قبل دراسة الأسباب بشكل علمي وإحصائي وملاخظة المتغيرات في السوق.
وهناك العمل في ظروف غير أمنة فمن الطبيعي أن يصادف الموظف ظروفا مفاجئة أثناء تأديته لعمله اليومي، الأمر الذي حدا بالدول والمؤسسات إلى إبتكار نظام التأمين لمواجهة هذه الظروف المفاجئة إلا أن التأمين لدى كثير من المؤسسات والشركات التجارية في بلادنا لا زال غائبا وغير مستوعب، ونعلم لماذا؟!

الأخ ( ماجد ) كان يعمل موزعا قرابة ثلاث سنوات مع إحدى شركات الأدوية. وقد قاده القدر والصدفة السيئة لحادث أودى بحياة أحد المارة، فكان الحادث الأبشع أن قام التاجر الجشع مالك الشركة بحبس الأخ/ ماجد بل وتحميله دية المتوفي وحرمانه من حقوقه كاملة، الأمر الذي أجبر ماجد على بيع ذهب زوجته والدخول في بحر الديون لدفع الدية ومن ثم المشارعة على حقوقه المنهوبة حتى الأن. ألا يعلم هذا التاجر المتطفل أن قسط التأمين البسيط على سيارة تدر عليه عشرات الملايين في السنة كان كفيلا بتجنب كل هذه المشاكل التي أدت إلى تدمير مستقبل أحد الكوادر الوطنية. وهل سيستوعب كثير من رجال المال أن التأمين سيؤسس لبيئة عمل أمنة ومستقرة وسيعمل على الحد من حدوث مشاكل إجتماعية عديدة سببها الرئيسي جشع بعض التجار المتطفلين على عالم المال والأعمال.

الموارد البشرية ( المزاجية الإدارية ومدراء بالبركة):

تقوم الإدارة الحديثة على أليات عمل منظمة من خلال التخصص وتقسيم العمل والرقابة على سلامة الإجراءات وتطبيقها والترقية وفقا للأقدمية والكفاءة وعمل نظام للحوافز بهدف تشجيع العاملين على زيادة الإنتاجية، وعمل دورات تدريبية وتأهيل لخلق كادر قادر على تحمل المسؤلية والقيادة، وتفجير الطاقات الإبداعية فيه. لذا تم إنشاء إدارة خاصة بالموارد البشرية للإهتمام بالكادر البشري خاصة في المؤسسات التجارية والصناعية كبيرة الحجم ومتعددة النشاطات. فمن الطبيعي أن أصحاب المال لا يمتلكون القدرة على معرفة أحوال ألاف العاملين والموظفين، مما حدا بهم إلى إيكال هذا الجانب لمدراء وإدارات خاصة بذلك، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل أصحاب المال يثقون أن هذه الإدارات تقوم بمهامها بالشكل الذي يخدم المجموعة أم لا؟

فالملاحظ في عمل هذه الإدارات المسماة ب"إدارة الموارد البشرية" أنها تحولت إلى إدارات لإستعراض العضلات وللحفاظ على حقوق الشركة على حساب حقوق العاملين أي كانت. وإقتصار نشاطها فقط على كشوفات الراتب والتحايل عليه، أما ما يعلق بمشاكل الموظفين فلا تدخل ضمن إهتماماتهم، حيث يضطر الموظف للبحث عن وساطة لزيادة راتبه أو التضحية بجزء من ماله للحصول على بعض حقوقه أو إنجاز معاملته، الأمر الذي يؤثر بشكل كبير على النشاط البيعي والتسويقي بسبب إنشغال كثير من الموظفين بمتابعة هذه الإدارات المعطلة، فأحد الموظفين علق على نقطة هامة هي أنه عندما يتعلق الموضوع بخصم أو عمل جزاء على الموظف فإن الأمور تسير بشكل طبيعي ودون أية متابعة. وعندما يتعلق الموضوع بحق الموظف ومكافأته فالأمر يحتاج لمتابعة دقيقة ومتواصلة، ما لم فالموضوع سيذهب أدراج النسيان.
فالمعلوم أن تفعيل دور الرقابة المالية على أداء الوحدات المحاسبية ساهم بشكل كبير في الحد من الإختلاسات والإنحرافات في أداء هذه الإدارات المالية، فلماذا إذا لا يتم تفعيل دور الرقابة الإدارية على أداء إدارات شؤون الموظفين لمعرفة مدى تطبيقها للوائح العمل وطبيعة العلاقة بين الرؤساء والمرؤوسين، خصوصا و أن بعض الرؤوساء يسيء إستخدام الثقة والموقع الممنوح له، وذلك لتحقيق أغراض شخصية أو لتصفية حسابات شخصية مع أحد المنافسين أو التجمل مع بعض المقربين عديمي الكفاءة على حساب أشخاص ذوي كفاءة. فهناك كثير من المدراء في كثير من الشركات كانت القرابة الشخصية أو السكنية أو جلسات القات والبطة هي السبب الرئيسي في ترقيتهم، ألا يعلم أصحاب المال وقادة المجموعات التجارية أن إنتشار ظاهرة ( جماعة الثقة ) كانت من الأسباب المباشرة لإنهيار الامبراطورية العثمانية.

ضمانات مفجعة وعقود غائبة:

بسبب إنتشار المشاكل العديدة في الجوانب التسويقية والمالية تشددت كثير من الشركات في مسالة الضمانات، حتى أن هناك بعض الشركات لا تكتفي بضمانة واحدة بل ضمانتين (2×1 ).
وبسبب هذه الضمانات " المزرزرة" يفقد الكثيرون وظائف طالما حلموا بها وتكبدوا مشاق الدراسة وتكاليفها وبسبب هذه الورقة التافهة يذهب مجهود العمر خلف عبارة ( الختم ضايع وإلا سجلي منتهي، أو .....).

كأن الموظف في القطاع الخاص ليس مواطنا والدولة غير مسؤولة عنه، ولا يربطه بها سوى دفع الضرائي أو الجزية فمتى ستوفر الدولة الضمانة للتاجر والموظف؟ والغريب حقا أن بعض التجار المتشددين على الضمانات لا يحترمون ألية العقود وكأن العامل ليس من حقه أن يضمن حقوقه ومستقبله، ودوره فقط تقديم نفسه قربانا لتحقيق الارباح، وفي الأخير مع السلامة ( حمار مات بإيجاره ).

فاين مكتب العمل وحقوق الإنسان ونقابات العمال وما سبب غياب الدور الرقابي الذي وضعوا من أجله ومتى سيفيقون من سباتهم الطويل ومتى سيمارسون دورهم الوطني والأخلاقي تجاه العمال والموظفين؟

المتعارف عليه أن النشاط البيعي والتسويقي ونظام الحوافز والعمولات يعد العمود الفقري للشركات والمؤسسات التجارية، وتمنح للعاملين للمساهمة في زيادة وتحسين الإنتاجية، فعند تقدمك لإحدى هذه الوظائف وقبولك فيها تكاد الدنيا لا تسعك وأنت تستمع للوعود والإمتيازات التي ستحصل عليها. وعند نجاحك في رفع مستوى المبيعات وفتح أسواق جديدة، وعندما تنجح في تحقيق هذه الأهداف، تفاجأ بأن تلك الوعود والعمولات ما هي إلا ( هدرة ) والنسب المئوية تتحول إلى نسب ألفية. فأحد الموظفيين في هذا الجانب صار محبطا جدا بسبب هذه المعاملة، حيث قال أن مسلسل المبايعة والمراجعة هو القاعدة المتبعة عند تسليم العمولات أما النسبة المتفق عليها عند التوظيف فتختفي.

والمضحك حقا أن أحد المدراء الكبار قام بإيقاف نظام الحوافز بحجة أن هذا النطام غير متبع في الإدارة البريطانية. ألا يعلم هذا المدير أن الإدارة البريطانية تمنح الموظف أشياء آخرى أفضل من الحوافز كالراتب المجزي والمكافأت الكبيرة وأشياء كثيرة هو أعلم بها، اما المسيء حقا فهو إتباع أحد المدراء قاعدة ( جوع كلبك يتبعك ) رغم أنه يعمل في إحدى المؤسسات المشهود لها بتطبيق أحدث أساليب الإدارة.

أفلا يبقى هؤلاء متذكرين ما قاله نبيهم الكريم : ( إعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ).

نشر بتاريخ 24-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة