الاتفاقيات الثنائية.. الباب الخلفي لتحرير التجارة !!
ابو عمر الغامدى
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع ابو عمر الغامدى
الاتفاقيات الثنائية.. الباب الخلفي لتحرير التجارة !!


تبنت العديد من الدول العربية فكرة تحرير التجارة العربية من خلال اتفاقيات ثنائية بدعوى أنها ستؤدي في النهاية إلى تحرير شامل للتجارة العربية، ولاشك أن هذا الأسلوب ينطوي على العديد من المخاطر رغم بعض إيجابياته، والسؤال الآن هل تؤثر الاتفاقيات الثنائية على مسيرة التعاون الاقتصادي العربي الشامل؟.

دعت قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والباسيفيك واتحاد دول جنوب شرق آسيا إلي تبني فكرة تحرير التجارة العالمية من خلال الاتفاقيات الإقليمية والثنائية، واتجهت دول أخرى مثل استراليا واليابان والمكسيك وغيرها نحو بدائل أخرى غير تحرير التجارة متعددة الأطراف وذلك لاعتقادها بأن التقدم في المحادثات من خلال منظمة التجارة العالمية يتم ببطىء شديد.

ورغم أنه من الممكن تبنى النزعة الثنائية والإقليمية في تحرير التجارة مع التقدم نحو تحرير التجارة العالمية، إلا أن هذا الأمر ينطوي على مخاطرة كبيرة من جانبين:

الأول: أنها قد تؤدي إلى تباطؤ أو عرقلة مسيرة تحرير التجارة متعددة الأطراف.

والثاني: أنها قد تستبعد العديد من الدول الأكثر فقراً في العالم،ورغم ذلك ما زالت الدول المشاركة في مفاوضات التجارة مستمرة في الترويج لفكرة عقد جولة جديدة من محادثات التجارة في العام القادم، غير أن الأزمة بين أمريكا وأوروبا وشركائهما التجاريين الصغار أدت إلي تعليق الخطط بعقد جولة محادثات جديدة، وفى حالة استمرار هذه الخلافات فإن البعض يرى أن استمرار التقدم نحو إجراءات تحرير التجارة خارج تلك المحادثات يعد بديلاً أفضل من عدم حدوث أي تقدم على الإطلاق.

ويسود مثل هذا الاتجاه في تحالفات تجارية جديدة مثل الاتفاقية الجديدة بين كل من المكسيك ومنظمة التجارة الحرة الأوروبية أو الاتفاق الثنائي بين كل من سنغافورة ونيوزيلاند، وكذلك الاتفاقيات الثنائية والإقليمية بين الدول العربية، ومثل هذه الإجراءات من شأنها أن تسمح للشركاء التجاريين بتحطيم الحواجز فيما بينهم دون الحاجة إلى انتظار ما تسفر عنه محادثات منظمة التجارة العالمية، فمثل هذه الشراكة من المؤكد أنها تحقق مصلحة ذاتية للدول المشاركة، إلا أنه ليس بالضرورة أن تحقق المكاسب دوما للعالم كله، فربما يحدث خلق للتجارة بالفعل لكنها من الممكن أن تتحول بعيداً عن المنتجين بالتكلفة المنخفضة إلي خارج التحالف، وينبغي أن ينظر إلي اتفاقيات التجارة الإقليمية أو الثنائية نظرة نقدية من حيث تأثيرها على التحرير الشامل للتجارة الدولية، وربما يظهر تساؤل آخر ذو أهمية وهو هل سيصبح الاتجاه الإقليمي والثنائي أسلوباً أفضل لتحرير التجارة العالمية على المدى البعيد، وهل ستحدث عملية التحرير بإيقاع أسرع إذا ما تمت بين تكتلات أكبر أو إذا امتدت بين جميع دول منظمة التجارة العالمية ؟

الاتفاقيات العربية.. سلبيات أكثر!!

أدى الإحساس العام لدى معظم الدول العربية ببطىء مسيرة تحرير التجارة العربية البينية في إطار العمل العربي المشترك إلى تبني العديد من الدول العربية لأسلوب تحرير التجارة البينية على المستوى الثنائي والإقليمي ، وهو ما أدى إلى انتشار هذه الاتفاقيات الثنائية بين الدول العربية ، وتعتبر مصر أكثر الدول التي وقعت على مثل هذه الاتفاقيات مع دول عربية أخرى ،ولكن من خلال الدراسة للاتفاقيات الثنائية بين الدول العربية يلاحظ أن هناك خطوط مشتركة بين هذه الاتفاقيات تجعل منها صورة نمطية في معظم أحكامها، وخاصة فيما يتعلق بمراحل تحرير التجارة ، وقواعد المنشأ التي تحكم الاتفاقيات، والإجراءات الوقائية لأغراض ميزان المدفوعات، والمتابعة والتنفيذ، ويمكن إبداء بعض الملاحظات على هذه الاتفاقيات كما يلي : ـ

ـ عقدت استرشادا بأهداف الاتفاقيات ذات الصلة في إطار جامعة الدول العربية، وقواعد اتفاقيات منظمة التجارة العالمية ، وهو ما تشير إليه ديباجة معظمها.

ـ تستبعد السلع المنتجة في المناطق الحرة المقامة في كلا الطرفين(تمثل أهمية كبيرة في الاقتصاديات العربية)، ومن المعروف أن هذه السلع تمثل مشكلة في البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى ولم يتم التوصل إلى حلول لها، وكان من المفترض أن يتم حل هذه المشكلة في إطار الاتفاقيات الثنائية العربية، وهو ما لم تحققه الاتفاقيات الثنائية بين معظم الدول العربية.

ـ احتوت الاتفاقيات على قوائم سلبية كما هو معمول به في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وفي السوق العربية المشتركة ، والملاحظ على هذه القوائم السلبية أنها تضم السلع التي يتمتع فيها كلا الطرفين بمنافسة عالية وميزة نسبية مثل المنسوجات والملابس الجاهزة في كل من مصر وتونس أو السلع التي تخضع لاحتكار الحكومات أو القطاع العام في البلاد العربية وتستوعب عدد كبير من العمالة مثل التبغ ومنتجاته أو حديد التسليح ، وهذا يعني أن القائمة المجمعة للسلع التي لا يشملها التحرير لدولة عربية واحدة مثل مصر مثلا ـ في حالة إبرامها اتفاقيات ثنائية لتحرير التجارة مع أغلب البلدان العربية ـ سوف تكون قائمة طويلة وربما تشمل عدد أكبر مما كانت تحتويه قوائمها السلبية في حالة تحرير التجارة العربية على المستوى العام في إطار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى .

ـ رغم مزايا هذه الاتفاقيات إلا أنها تؤدي في الغالب إلى تحويل التجارة من خارج طرفي الاتفاقية إلى التجارة بينهما بما فيها الدول العربية الأخرى حتى ولو كانت أسعار السلع في حالة استيرادها من الطرف الثاني أعلى مما لو تم استيرادها من دولة ثالثة، وهو ما يؤدى إلى رفع أسعار الواردات، والأمر الخطير في ذلك إلى جانب إمكانية زيادة تكاليف الواردات أن هذه الاتفاقيات تؤدي إلى قيام نوع من التخصص وتقسيم العمل بين طرفي الاتفاقية وتنشأ صناعات ومشروعات معينة لسد الطلب لسوق معين يكون مضمونا ، ولكن تظهر المشاكل عندما تلجأ الدول إلى تحرير التجارة بينها على المستوى العام، ففي هذه الحالة يتم إعادة تحويل التجارة التي نمت بين الدولتين في إطار الاتفاقية الثنائية لتكون في إطار أوسع بين جميع الدول العربية، وهو ما يمكن أن يضر الصناعات والمشروعات التي أقيمت على أثر الاتفاقية الثنائية، وهذا ما يؤكد أفضلية الأسلوب الذي لجأ إليه الاتحاد الأوروبي في رحلته نحو الوحدة الاقتصادية.

ـ تخلق الاتفاقيات أكثر من سرعة في تحرير التجارة بين الدول العربية، حيث تقوم كل دولة بتحرير تجارتها على أكثر من مستوى فهي تقوم بذلك في إطار التزاماتها تجاه منظمة التجارة العالمية، وأيضا تقوم بتحرير تجارتها الخارجية في إطار التزاماتها تجاه البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى ، وتقوم بتحرير تجارتها مع دول أخرى عربية أو غير عربية بناء على اتفاقيات ثنائية ، وكل اتجاه من هذه الاتجاهات يسير بسرعة مختلفة وهو ما يخلق العديد من التعقيدات والمشاكل مما يتطلب ضرورة توحيد تلك السرعات.

ورغم هذه الملاحظات فليس معنى ذلك أن هذه الاتفاقيات عديمة الفائدة وأن مجمل آثارها سلبية، ولكن الأمر يكون أكثر فاعلية إذا تم التحرير الثنائي للتجارة بين دولتين عربيتين بحيث يكون هذا التحرير أسرع واشمل من حيث الفترة الانتقالية له والسلع التي يشملها اتفاق التحرير الثنائي مقارنة ببرنامج منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، كما في حالة الاتفاق التجاري الموقع بين مصر والعراق مؤخراً والذي يحرر التجارة المتبادلة بين الطرفين بلا استثناء وفوراً ، وهذا يعني أنه لا مبرر للاتفاق بين الدول العربية إذا لم يكن يقدم جديد عما قدمه برنامج منطقة التجارة العربية الذي يجب الاتفاقيات الثنائية لتحرير التجارة العربية، وكذلك هناك ضرورة، لأن تكون هذه الاتفاقيات مفتوحة لانضمام دول عربية أخرى عندما توفق أوضاعها مع هذا الاتفاق ليتحول من اتفاق ثنائي إلى اتفاق متعدد الأطراف بين الدول العربية ويسهل استكمال عملية التحرير على المستوى العام .

ومن الملاحظ أيضا أن مؤسسات العمل العربي المشترك طوال السنوات الماضية لم تقم بأي دور فعال لجعل الدول تركز في تعاملاتها البينية على تفضيل صيغ التعاون الثنائية أو الجماعية، ولم تقدم لها النصح المطلوب في هذا المجال، ولكنها تركت الدول العربية تسلك كلا الطريقين معا انطلاقا من أن الصيغ الثنائية وشبه الإقليمية تخدم الصيغ الجماعية، ولكن هذا التصرف أفقد التجمع العربي الإقليمي الشامل أهم مقومات استمراره، وفتح الباب على مصراعيه لسياسة الاستقطاب التي قامت بها تكتلات عالمية غير عربية بل وقوى كبرى لاستقطاب الدول العربية بعيدا عن الإطار العربي العام، ومنها المشاركة الأوروبية والشرق أوسطية وغيرها .

وخلاصة القول أن الاتفاقيات الثنائية العربية لتحرير التجارة رغم مزاياها للدول المشاركة فيها إلا أنها تصيب مسيرة التعاون العربي الشامل بالعديد من الأضرار أهمها أنها تؤدى إلي تباطؤ أو عرقلة مسيرة تحرير التجارة متعددة الأطراف بين الدول العربية وتؤدي إلي تشابك وتعقيد مسارات تحرير التجارة الخارجية في الدول العربية وتفقد الدول العربية تحمسها لإنجاز تكتل اقتصادي عربي شامل ليحل محله الأنماط الثنائية والإقليمية

والسلام عليكم
نشر بتاريخ 24-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة