الادارة الاسلامية
ابو عمر الغامدى
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع ابو عمر الغامدى
الادارة الاسلامية

- القيم الإسلامية يجب أن تتمثل عند جميع العاملين من أسفل الهرم الإداري إلى قمته

مقدمــة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
قد لا يكون مستغرباً أن نجد الكثير من غير المسلمين يعتقدون بعدم وجود الإدارة الإسلامية كنظرية، أو كواقع محسوس في الوقت الحاضر، وذلك لأسباب عديدة ليس هذا مجال ذكرها، إلا أن الأغرب من ذلك أن نجد كثيراً من أبناء المسلمين يشاركونهم هذا الاعتقاد، ويظنون أن الكلام عن الإدارة الإسلامية لا يعدو أن يكون كلاماً تاريخياً فقط، ولتصحيح هذا التصور الخاطئ، فإن هذا المقال يهدف إلى :
01بيان أهم أسباب الانهزام الفكري والسلوكي عند كثير من أبناء المسلمين.
02 بيان معنى الإدارة الإسلامية، وتوضيح اختلافها عن الإدارة الوضعية في الفكر والغاية والوسيلة .

الموضوع :

أولاً: أسباب الفهم الخاطئ عن الإدارة الإسلامية:

ترجع أهم الأسباب في نظر الباحث إلى العوامل الآتية:
* اعتقاد أن الإدارة مصطلح حديث ظهر في الدول الغربية، وبالذات في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما نُشِر مقال عن الإدارة من قبل الرئيس الأمريكي (ودروا ويلسون) في أواخر القرن التاسع عشر، وما تبع ذلك من نظريات عمقت هذا الفهم، بدعوى إضفاء صفة العلمية على هذا الحقل، وتمييزه عن غيره من العلوم.
* سقوط الخلافة العثمانية التي كانت رمزاً للأمة الإسلامية الواحدة، وقيام الدولة التركية العلمانية على أنقاضها .
* الاستعمار الغربي، وتقسيم الأمة الإسلامية إلى دويلات، وتطبيق مبدأ " فرَّق تَسُد" ومن ثم ظهور المفاهيم القومية والاشتراكية وغيرها.
* إنشاء الجامعات الأمريكية " الكليات الإنجيلية سابقاً" في بعض البلاد العربية كمصر ولبنان، واعتبارها رمزاً للتقدم العلمي، لأنها تحقق الأهداف العلمانية التي تحققها البعثات الخارجية للدول الغربية، وخصوصاً للشباب في سن المراهقة.
* التدرج في إدخال مفاهيم العلمانية في البلاد المسلمة في المجالات المختلفة، سواء التعليم أو التربية أو الإعلام، وذلك بإضعاف دور الجانب العقائدي والإيماني وحصره على أداء شعائر تعبدية معينة، دون مجالات الحياة الأخرى .
في مجال الإدارة ظهر ذلك واضحاً في نشاطات جماعة الإدارة العامة المقارنـة ( رجز وزملاؤه) في الستينيات وخلال منتصف السبعينيات، وذلك بتقسيم المجمعات إلى قسمين:
أ. زراعية: ووصفها بالنامية أو المتخلفة أو دول الجنوب.
ب. صناعية: ووصفها بالمتقدمة أو دول الشمال، وبيان أن العلاقة بينها خطية ذات اتجاه واحد من الأدنى إلى الأعلى، فما على الصنف الأول إلا تبني المنهج الغربي؛ لكي يصل إلى ما وصل إليه الصنف الثاني وفق التقسيم السابق.
الترويج لبعض الوسائل المساعدة في تحقيق الهدف السابق، بضرورة تبني مفاهيم التنمية بجوانبها المختلفة: الاقتصادية باتباع النظام الرأسمالي . السياسية باتباع النظام الديمقراطي... الإدارية بتبني النظريات الإدارية المعاصرة القائمة على المنهج العلماني، الذي يفصل بين الدين والعلم بسبب الخلفية التاريخية المرتبطة بالثورة الفرنسية والثورة الصناعية في أوروبا، لمقاومة الكنيسة في العصور الوسطى.


ثانياً : معنى الإدارة الإسلامية واختلافها عن الإدارة الوضعية:

بعد هذا التقرير الموجز للخلفية التاريخية لنشأة الإدارة المعاصرة، تجدر الإشارة إلى بيان معنى الإدارة الإسلامية، والتعليق على ذلك لبيان اختلافها عن الإدارة الوضعية في الفكر والغاية والوسيلة .
يرى أحد الكتاب المعاصرين بعد إيراد لفظ الإدارة، وبعض ألفاظ التدبير الواردة في القرآن الكريم بأن كلمة التدبير أعم وأشمل من لفظ الإدارة؛ لأنها تتحرى أصلح الطرائق للقيام بعمل ما حول موضوع معيّن، في حين أن لفظ الإدارة يقتضي التنفيذ فقط.

وهذا اللفظ شائع الاستخدام في كتابات السلف في مجال الأحكام السلطانية والسياسية الشرعية، وهو ما يميز الإدارة عن غيرها من الإدارة الوضعية المعاصرة؛ لأنه يدل على أهمية الربط بين الأمور الحسيّة والأمور المعنوية، أو بين الأمور المادية الدنيوية وبين الأمور الغيبية الأخروية.

وبناءً عليه فإنه يمكن إيراد بعض التعريفات للإدارة الإسلامية، والتعليق عليها لتأكيد المعاني والدلالات السابقة:


التعريف الأول: " هي تلك الإدارة التي يتحلى أفرادها -قيادة وأتباعاً، أفراداً وجماعات، رجالاً ونساء- بالعلم والإيمان عند أدائهم لأعمالهم الموكلة إليهم على اختلاف مستوياتهم ومسؤولياتهم في الدولة الإسلامية.

التعريف الثاني:" هي تلك الإدارة التي يقوم أفرادها بتنفيذ الجوانب المختلفة للعملية الإدارية على جميع المستويات وفقاً للسياسة الشرعية.

بالنظر إلى التعريفين السابقين يتبين ما يلي:

01 أن التعريف الأول أكثر عمومية، في حين أن التعريف الثاني أكثر دقة وتحديداً.
02 أن السياسة الشرعية هي الإطار اللازم للإدارة الإسلامية؛ تقوم على مبادئ وأصول الشريعة المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فيما يتعلق بالعقائد والأحكام والعبادات والمعاملات، وفيما يجلب المصالح ويدرأ المفاسد عن المجتمع المسلم.
03 أن يتحلى العاملون في الإدارة – من قمة الهرم الإداري إلى أدناه- بالقيم الإسلامية وذلك في أنفسهم أولاً، وفي تعاملهم مع الآخرين ثانيا،ً سواءً كانوا رؤساء أو مرؤوسين أو مستفيدين.
04 أن تترجم السياسة الشرعية إلى واقع ملموس عند تنفيذ الجوانب المختلفة للعملية الإدارية، من تخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة وإدارة لشؤون الأفراد في جميع المستويات والمجالات والأجهزة الخاصة منها والعامة.
05 أهمية التكامل بين العلم والإيمان في الإدارة وغيرها وعدم الفصل بينهما؛ لأن العلم الحقيقي - في أي حقل وفق الإسلام- ينبغي أن يعمق الإيمان في النفس، وأن يزيد الخشية لله؛ طمعاً في ثواب الله وخوفاً من عذابه في الحياة الأخرى، وبالمقابل فإن الإيمان الحقيقي يشجع كل عمل صالح للعباد؛ لتعمير الكون وتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض في الحياة الدنيا ، وبناءً عليه فإنه في حالة حدوث الفصل بينهما تصبح الإدارة علمانية.



و يختلف تعريف الإدارة الإسلامية عن الإدارة الوضعية (العلمانية) في الفكر والغاية والوسيلة.


- فمن حيث الفكر: أوضحنا في المقال السابق عند التعليق على تعريفات الإدارة الإسلامية وهو يختلف عن معنى الإدارة في الفكر الوضعي العلماني بجميع مدارسه التقليدية والمعاصرة، والتي تركز على المفهوم المادي البحت الدنيوي؛ دون أي ارتباط بالحياة الأخرى، وهو ما جعل نتائجه وآثاره على الفرد والجماعة تدور في حلقة مفرغة؛ منذ ظهور تلك النظريات وحتى اليوم؛ لأنها أفكار جزئية قاصرة، وإن اتصف بعضها بشيء من الشمولية فهو تجريدي وتنظيري، بحيث يصعب تطبيقه في أرض الواقع كما في نظرية النظم.

-أما من حيث الغاية: فإن الإدارة الإسلامية تسعى لتحقيق معنى العبودية لله عز وجل عملاً بقوله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وقوله تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين".

بخلاف الغاية في الإدارة الوضعية فهي لا تتجاوز الإطار الدنيوي، وتحقيق الشهوات بأشكالها المختلفة، والتأثر بالشبهات التي تخلخل العقيدة وتضعفها في النفس. ومن ثم يضعف تأثيرها على السلوك فيصبح الفرد فيها مقلداً وتابعاً وإمّعة، كما جاء في حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف من يعمل وفق المفهوم الإسلامي للإدارة، حيث تكون غايته إرضاء الله سبحانه وتعالى، ورسوخ ذلك في نفسه وانعكاسها على سلوكه وتصرفاته الشخصية متكاملة مستقلة، تكون قائدة لا تابعة، ومؤثرة لا متأثرة إلا بما هو حق وعدل.

- أما من حيث الوسيلة: فهذا نتيجة منطقية للأمرين السابقين، ففي الإدارة الوضعية المتأثرة بالفكر العلماني نجد أن الفكر الميكافللي هو السائد والمهيمن، فالغاية تبرر الوسيلة، وحيث إن الغايات وفق هذا الفكر تحكمها الشهوات والشبهات؛ فإن الوسائل المتبعة في هذه الحالة لا تحكمها ضوابط وقيم ومثل عليا أخلاقية، إنما تحكمها المصالح الشخصية والأهواء المادية الدنيوية.

في حين نجد أن الإدارة الإسلامية على النقيض من ذلك فهي محكومة بضوابط شرعية. فالوسائل لها أحكام المقاصد في الفقه الإسلامي. وبناء عليه فإن الوسائل المتبعة يجب أن تكون مشروعة للوصول إلى الغايات والأهداف المشروعة في هذه الدنيا، والتي تعد جزءاً من أهداف أكبر وغايات أسمى في الحياة الأخرى تتمثل في مرضاة الله عز وجل، وبلوغ الجنة والنجاة من النار. ومن ثم فإن الناس يأمنون على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم عندما يشعرون بأن من يتولى الإدارة وفي أي مستوى منا المستويات هو من هذا الصنف وهذه الشاكلة التي تلتزم بالإسلام فكراً وغاية ومنهجاً وسلوكاً، حتى لو لم تكن بينهم وبينه رابطة قرابة أو صداقة أو معرفة؛ لأن رابطة الإسلام والإيمان فوق كل هذه الاعتبارات.

كتبه د. حزام بن ماطر المطيري قسم الإدارة العامة/ جامعة الملك سعود * أفاق الإدارة العدد الاول - جمادي الآخر 1419هـ


تقبلوا خالص تحياتي
نشر بتاريخ 24-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة