الشركات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية
ابو عمر الغامدى
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع ابو عمر الغامدى
الشركات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية




ثمة دراسات وتجارب كثيرة جداً تظهر أن هناك فرصاً كبيرة للنجاح الاقتصادي للاستثمارات الموجهة للفقراء، وتؤكد خطأ وخطورة النظر إلى الفقراء في أنهم حالة لا يمكن التعامل معها إلا من قبل الجهات الحكومية والخيرية والاجتماعية، وقد ثبت بالفعل أن الفقراء يحتاجون إلى شراكة وكرامة أكثر مما يحتاجون إلى صدقات ومعونات، وفي المقابل فإن المنطق السائد لدى كثير من المنظمات الخيرية والحكومات ووكالات الغوث، ومفاده أن القطاع الخاص ليس موضعاً للثقة للمشاركة في التنمية، وأن الحلول المعتمدة على السوق لا يمكنها تحقيق التنمية وتخفيض معدلات الفقر يتضمن كثيراً من المغالطات النمطية، ويتجاوز على تجارب ونجاحات قائمة بالفعل.
وتمثل المجتمعات الفقيرة فرصاً جذابة تكفي لكي تدفع الشركات الكبيرة لكي تجري تغييرات في نظمها وعملياتها الداخلية لاكتساب الفرص ومصادرها في هذه الأسواق؛ فهي أسواق كبيرة وجذابة وكيانات قائمة بذاتها، ويمكن تطوير العديد من الابتكارات المحلية وطرحها في هذه الأسواق، ويكن تحويلها أيضاً إلى ابتكارات عالمية، وتوجد بعض الابتكارات التي مصدرها قاعدة الهرم والتي يمكن تطبيقها في الأسواق المتقدمة.
فقد طورت شركة هندوستان أنظمة تغليف تناسب الظروف القاسية وأغراض النقل والتخزين في الهند، ثم انتشرت هذه المنتوجات في إفريقية وآسية، وتحقق الشركة اليوم أرباحاً سنوية تبلغ (150) مليون دولار، وكان للنجاح الذي حققه مصرف (غرامين) في بنغلادش في الخدمات التمويلية الصغيرة "بنوك الفقراء" أساس لانتشار هذا النوع من الأعمال حول العالم بصفتها عمليات تجارية مربحة، وأمكن في الهند إنتاج أنواع من الأدوية المتقدمة بأسعار يقدر عليها الفقراء وبمزايا ربحية أيضاً، ويقوم مستشفى (أرافيند) للعيون والذي بدأ في الهند بتقديم خدمات في إفريقية وكمبوديا وفيتنام، وتقوم فلسفته على تقديم إمكانيات فنية متقدمة وبجودة عالية وبتكلفة منخفضة، ويحقق في الوقت نفسه أرباحاً كبيرة.
وقد أمكن لشركة ITC) ) في الهند تقديم خدمات في جميع أنحاء الهند للمزارعين لمعرفة الأسعار بواسطة الإنترنت، وهي بذلك حصلت على أرباح كبيرة، وفي الوقت نفسه فقد ساعدت المزارعين في الهند على التخلص من استغلال الوسطاء والاستغفال والابتزاز الذي كانوا يخضعون له بسبب عدم قدرتهم على الإحاطة بالخيارات الممكنة لهم لتسويق منتجاتهم.
وتمثل الأنظمة الإدارية والتقنية التي تنتجها الشركات فرصة كبيرة لمكافحة الفساد وتطوير الخدمات، فالخدمات التجارية السريعة باستخدام البطاقات الإلكترونية يمكن أن تحدّ بنسبة كبيرة من الفساد والهدر، مثل: دفع الفواتير، والحجز للنقل في القطارات والباصات والطائرات ومشاهدة المباريات والأفلام، وتجديد الرخص وإدارة المعاملات الحكومية والتجارية، وهناك قائمة طويلة جداً من الأعمال والخدمات التي كانت تؤديها الحكومات والشركات، وأمكن اختصارها أو أداؤها بسهولة فائقة.
ومن شأن التوسع في العمل التجاري والمعرفي بين الفقراء تحقيق تحولات اجتماعية وثقافية بينهم تخلصهم من الضعف، وتنمي الانتماء والمشاركة، والإحاطة بخيارات عدة لإسماع أصواتهم وللحصول على خدمات أفضل وتسويق خدماتهم ومنتجاتهم، وتتقدم بهم هذه الحالة إلى مستويات اجتماعية وديموقراطية تعزز الحكم الرشيد والجودة في الإدارة والخدمة، وترتقي أيضاً بمستوى أعمالهم وسلعهم، وتطور حالة التنافس في الأسواق والأعمال، وهي حالة اجتماعية واقتصادية سرعان ما تنعكس اقتصادياً ومعيشياً وإنتاجياً على الأفراد والمجتمعات.
ومن الإنجازات الملموسة التي يمكن ملاحظتها اليوم بسبب انتشار اقتصاد المعرفة في أسواق الفقراء: إزالة الحواجز التي تعيق الاتصال، ويقوم على ذلك نشوء فرص وخيارات كثيرة أمام الفقراء للعمل والتواصل والحصول على الخدمات وتسويقها أيضاً، وارتقاء مستوى الاستهلاك والذوق والخبرة بالجودة لدى الفئات الاجتماعية الفقيرة، وتطور خبراتهم ومعرفتهم بالسلع والخدمات، ونشوء فرص للتقييم والاختيار والتطوير في السلع والخدمات، ويمكن الحصول على استشارات ومراجعات ومراقبة فنية اليوم في الزراعة والإنتاج والطب والصناعة والإدارة بلا حواجز ولا اعتبار للمسافات وبتكلفة قليلة، وأمكن مشاركة فئات كثيرة في العملية الاقتصادية والإنتاجية كالنساء والعائلات وسكان المناطق البعيدة والمعزولة وكبار السن وذوي التحديات الحركية.
وعرض "ملتقى المسؤولية الاجتماعية" الذي عُقد في الرياض برعاية الأمير سلطان بن عبد العزيز نماذج وحالات وأفكار كثيرة جداً عن الفرص والتجارب الممكنة للتطبيق في إطار المسؤولية الاجتماعية للشركات، مثل تخصيص نسبة من الأرباح للعمل الاجتماعي، فذلك يشجع على زيادة الإقبال على المنتوجات والخدمات، وفي الوقت نفسه يوفر عائدات مالية يمكن إنفاقها على العمل الاجتماعي، ويمكن أن تقدم الشركات المالية المجال للتوعية وللتثقيف المالي الذي يطوّر خبرات الناس ويعلّمهم، وفي الوقت نفسه يشجّع على التوسع في استخدام الأنظمة المالية والمصرفية الحديثة، مثل بطاقات "الكريدت" والمهارات المالية والمشاركة في المضاربة والاستثمار، وتسعى شركات لتنمية الثقة بمنتوجاتها وأسهمها وتطوير كفاءة العاملين واجتذاب الكفاءات وتقليل الخلافات من خلال سياسات للشفافية والتواصل بين الشركات وبين المساهمين والعملاء.

تقبلوا خالص تحياتي
نشر بتاريخ 24-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة