المسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات
ابو عمر الغامدى
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع ابو عمر الغامدى
المسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات

يكتسب الدور الاجتماعي للشركات والقطاع الخاص أهمية متزايدة بعد تخلي الحكومات عن كثير من أدوارها الاقتصادية والخدماتية التي صحبتها بطبيعة الحال برامج اجتماعية كان يُنظر إليها على أنها أمر طبيعي ومتوقع في ظل انتفاء الهدف الربحي للمؤسسات الاقتصادية التي تديرها الحكومات، وإن كانت في كثير من الأحيان تحقق إيرادات وأرباحاً طائلة، وكان متوقعاً مع تحول هذه المؤسسات إلى الملكية الخاصة وإعادة تنظيمها وإدارتها على هذا الأساس أن يتوقف دورها الاجتماعي، ولكن التطبيق العملي لتجارب الخصخصة أظهر أن الدور الاجتماعي والالتزام الأخلاقي للشركات هو أيضاً استثمار يعود عليها بزيادة الربح والإنتاج وتقليل النزاعات والاختلافات بين الإدارة وبين العاملين فيها والمجتمعات التي تتعامل معها، ويزيد أيضاً انتماء العاملين والمستفيدين إلى هذه الشركات، وأظهر أيضاً أن كثيراً من قادة وأصحاب الشركات يرغبون في المشاركة الاجتماعية، وينظرون إلى العملية الاقتصادية على أنها نشاط اجتماعي ووطني وإنساني يهدف فيما يهدف إليه إلى التنمية والمشاركة في العمل العام، وليس عمليات معزولة عن أهداف المجتمعات والدول وتطلعاتها.
ويمكن دراسة ملاحظة كثير من الالتزامات والمشروعات والمبادئ التي بدأت شركات كثيرة تلتزم بها أو يمكن أن تعمل على أساسها دون أن تتخلى بالطبع عن أهدافها الربحية، فهذا ما يريده لها أيضاً جميع العاملين فيها والمستفيدين منها؛ لأن خسارتها ستعود بالضرر على المجتمعات والعاملين والاقتصاد الوطني.
وتؤشر التجارب العربية القائمة أو التاريخية بوضوح على الدور الاجتماعي للقطاع الخاص، فالحضارة العربية يغلب عليها تاريخياً طابع المجتمعات أكثر من الدول، والتضامن والتكافل والتقدم الحضاري والعلمي الذي أُنجز كان يعتمد على المجتمعات والأفراد أكثر من الدول، فالحضارة العربية والإسلامية كانت قائمة تاريخياً على مؤسستين متكاملتين ومستقلتين، وهما الدولة (السلطة) والمجتمعات التي كانت تنظم التعليم والرعاية والتكافل في حين كانت السلطة تنسق شؤون الأمن والدفاع وترعى المجتمعات وتساعدها، وكانت تجربة الدولة المؤسسية التي تقوم على التنمية والرفاه والخدمات في التجربة العربية حديثة جداً.
وعلى الرغم من الدور الواسع للحكومات في دول الخليج في الرفاه والتنمية والرعاية الاجتماعية فقد تواصلت فيها المساهمات التنموية والاجتماعية للأفراد والشركات، وعندما حققت هذه الدول تقدماً اقتصادياً بدأ الدور الاجتماعي والتنموي لمجتمعاتها وشركاتها يتجه إلى المجتمعات والدول الأخرى في جميع أنحاء العالم، ويمكن اليوم ملاحظة مئات الآلاف من المساجد والمدارس والمراكز الطبية وآبار المياه والمشروعات الإغاثية والتنموية بتمويل مجتمعي فردي ومؤسسي خليجي.
ولكن المسؤولية الاجتماعية للشركات لا تقف عند التبرعات للمشروعات والبرامج التنموية والخيرية، فثمة مجالات للعمل ومبادئ يجب أن تلتزم بها الشركات، وسيعود ذلك على المجتمعات والدول بفوائد كبرى، ويجنبها كوارث وأزمات بيئية واقتصادية واجتماعية ستكون في تكاليفها ونتائجها أكبر بكثير من التكاليف المترتبة على هذه المسؤوليات والالتزامات، ومن مجالات ومحاور هذه المسؤوليات الاجتماعية، تنظيم وإدارة الأعمال وفق مبادئ وقواعد أخلاقية، والمشاركة مع الفقراء والطبقات الوسطى (على أساس ربحي)، وحماية البيئة وتطويرها، وحماية الموارد الأساسية كالمياه والغابات والحياة البرية والتربة وتطويرها، ومكافحة الفساد وتجنّبه، والتزام حقوق الإنسان والعمل والعمال، ومساعدتهم في تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية مثل: الادخار والتأمين والرعاية لهم ولعائلاتهم، ومشاركتهم في الأرباح.



المبادئ الأخلاقية في العمل الاقتصادي
ليست الرأسمالية غير أخلاقية بالضرورة، والفكرة النمطية أن الربح والخصخصة ونظام السوق ينطوي بالضرورة على تجاوزات أخلاقية أو لا يأخذ الأخلاق بالاعتبار فكرة تحتاج إلى مراجعة إستراتيجية، صحيح أن ثمة ممارسات وحالات كثيرة للبحث عن الربح بأي ثمن، ولكنها ليست ملتصقة بالضرورة بالعمل الاقتصادي الحر، ويمكن بمنظومة من العمل المجتمعي والتشريعات وتطوير الرأي العام أن تكون القواعد الأخلاقية استثماراً بحد ذاته يزيد الثقة بالمنتوجات والسلع والخدمات التي تقدمها الشركات.
والقوانين والتشريعات مهما كانت محكمة فإنها لا تحمي المجتمعات والحقوق، ولا توفر وحدها الأمن والثقة، ولكنها حين تعمل في بيئة أخلاقية ما فإنها تحقق كفاءة عالية في التنمية والإصلاح، وللأخلاق في كثير من الأحيان سلطات واقعية وفكرية تفوق السلطة المادية؛ فالقانون ليس كل شيء، والسياسة ليست كل شيء، والشعب ليس كل شيء، كما أظهرت الاتجاهات السياسية والتشريعية في الدول الديمقراطية، ولننظر على سبيل المثال تشريعات تدعم العنصرية في كثير من الدول وبموافقة شعبية وبرلمانية.
ومن وجهة نظر وصفية وبنيوية فإن الرأسمالية هي نظام اقتصادي مبني على الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج والتبادل، وعلى حرية السوق والعمل المأجور، فالغرض من إقامة منشأة في نظام رأسمالي هو الربح وليس القضاء على البطالة، ولا توفر عملاً للناس إلا بمقدار ما يحقق لها من الربح، ولكن هذه المصالح التي تنظم علاقات الإنتاج والحماية تنشئ أيضاً منظومة أخلاقية من العمل والانتماء والتكافل والرعاية والتوازن بين الحقوق والواجبات، ونحتاج لأجل النجاح وتحقيق مصالحنا القريبة والبعيدة المدى أن نعمل بتنظيم من سياقات قانونية وسياسية وأخلاقية أيضاً دون أن تلغي واحدة من هذه السياقات الأخرى، فلكل منظومة مجالها الخاص بها، ولها معاً تفاعلات ذاتية وتلقائية ومنظمة يجب الالتفات إليها، ذلك أن غياب الطابع الربحي والاستثماري يقود إلى الإخفاق وغياب الإبداع والتنافس والحوافز ويصادم الفطرة التي تنزع إلى التملك والثراء والتفوّق.
نشر بتاريخ 24-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة