المحاماه وآفاق القانون في المستقبل
ابو عمر الغامدى
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع ابو عمر الغامدى
المحاماه وآفاق القانون في المستقبل







"]المحاماة مهنة الدفاع عن الحق ووجودها ضرورة عدلية في ظل هذا العصر التقاني المتعولم حيث الحاجة أصبحت ملحة لمن يقدم العون القانوني للمحكمة بما يمكّن القاضي من إستبيان الحقيقة ومن ثمّ إصدار حكم غير مشوبٍ بعيب . كما أن المحامي يقدم المشورة والنصح القانوني ويقوم بصياغة العقود والإتفاقات وتوثيقها والمشاركة عند إعداد مقترحات القوانين واللوائح التنظيمية ويتقدم بالطعون في الأحكام المعيبة .

الأصل إن المحامي لا يقبل الدفاع إلا عن الحق وهنا تستبين سمات الخُلق الكريم حيث تقوى حياة الضمير قبل مسألة العلم والفقه والمعرفة .
ظلت الحياة منذ عقود مضت تعج بالنشاطات التجارية والصناعية والزراعية والاجتماعية وغيرها من أحوال الحياة المختلفة بالنسبة للأشخاص الطبيعية والمعنوية ومع تطور أساليب هذه المناشط المتعددة في كافة أرجاء المعمورة تتطور أيضاً الأنظمة والقوانين وفقاً للتطور التكنولوجي والتقنية العالية في كافة أوجه الحياة المعاصرة وقد تبع هذا التطور الهائل كثيرٌ من التعقيدات في علاقات العمل والتعامل مما حتّم وجود نظام يساعد على التغلب على تلك التعقيدات ومعاونة الأجهزة العدلية الأخرى المنوط بها تطبيق النظام وأحكامه بما يُحقق العدل، ومن هنا تبرز أهمية المحاماة كمهنة رفيعة تتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية لكونها مهنة الدفاع عن الحق . بحسبان أنّ كل خصومة تنطوي على حق أو باطل أو بعضٌ من أيهما متى ما ُأثير النزاع أمام القضاء حيث تكون مهمة المحكمة الإستماع لبينات وأدلة طرفي النزاع فتقضي بينهما وفقاً لما يقدمه كل منهكا من أدلة ، ولما كان الأمر يتطلب الدقة من حيث تصنيف المستندات والأدلة والبراهين وتقديم الشهود وحيث أن وضع القاضي يحتم عليه الحياد فليس له أن يقوم بهذا الدور( جلب البينات ) حتى لايفقد حيدته حفاظاً على أهم ركن من أركان توليه القضاء ( الحياد ) وحيث أن المعاملات والعلاقات تعقدت بتطور وسائل وأساليب الحياة تعقدت أيضاً تبعاً لذلك النزاعات وبرزت حاجة الأفراد والمؤسسات للإستعانة بمن لهم الدراية والمعرفة بوسائل الدفاع عن الحق ، وهذه مسالة لم تعد تنحصر في شهادة الشهود التي لم تعد كما بالأمس مطمئنة حتي يؤخذ بها مستقلة عن البينات الظرفية الغير مباشرة التي تحيط بالنزاع ، وأن تحديد البينات المطلوبة وعرض المستندات أمام المحكمة لم يعد بالأمر السهل إذ لايمكن للمتخاصمين العادين القيام به على الوجه المطلوب دون الاستعانة بمتخصص حاذق لهذا المجال ، ومن هنا تبرز أهمية وجود المحامي حتى يتسنى تقديم القضية أمام المحكمة بصورة متكاملة وواضحة جلية تمكّن القاضي من الإحاطة بالحقائق فيقضي في الدعوى التي أمامه مطمئن ٌ دون أن يساوره شك .
إنّ تداخل المصالح وتنوع النزاعات قد أفرز تعقيدات صعبة نشأت بسبب التطور الهائل في وسائل العلم والمعرفة فتطورت تبعاً لذلك أيضاً وسائل وأساليب التعدي على الحقوق حيث أصبح من اليسير سرقة أو إتلاف حق الآخرين دون أن يبرح الجاني مكانه كفعل السرقة أو الإتلاف الإلكتروني الذي يصل حد التدمير الكامل لمواقع الإنترنِت عبر الفضاء الذي اتسع مزدحماً بالكثير المثير ، فضلاً عن ذلك فإنّ الأنظمة والقوانين واللوائح والإتفاقيات الدولية في عصرنا هذا على كثرتها أصبحت في تطور وتغيّر مستمر لاتتوفر أسباب الإحاطة به إلا لخبير متخصص متفرغٌ للمتابعةوالمدارسة المستمرة لهذا المجال الرحب ومن هنا تبرز أهمية وجود أشخاص قانونيين ذوي علمٍ وثقافة وحس قانوني رفيع متولد من وجدان سليم يمكنهم من فهم النظام ومعرفة تطبيقاته بمايمكن من تقديم النصح والمشورة إنتصاراً للحق وترسيخاً لمفاهيم العدالة السامية.
إنّ مهنة المحاماة من أعرق المهن الراقية في كثير من الدول والمجتمعات التي تمكنت من تطوير أجهزتها العدلية حيث لم يعد المحامي هو ذلك الشخص الذي يدافع عن الحقوق الذاتية للأفراد والأشخاص مقابل مصلحته الذاتية فحسب ، بل أصبح له دور الدفاع عن الحقوق العامة ومراقبة تطبيق الأحكام .
لايزال البعض يظن بمهنة المحاماة كثير من الظنون حيث انتشرت كثيرٌ من الأفكار التي شاعت على خطأ الفهم بما بتداوله العامة دون دراية بالحقيقة ومبعث ذلك بعض الثقافات التي ترسخت على خطأ الفهم والجهل بطبيعة الأشياء وأسباب نشأتها ، ومهنة المحاماة شأنها شأن المهن الأخرى حيث يسي البعض التصرف ويخالف أصول مهنته ولا ينبغي أن ينسحب أثر مثل هذا التصرف الفردي على المهنة في ذاتها وأصلها وطبيعتها أو على الملتزمين بأخلاقياتها وحيث أن كل مهنة تحتاج لتنظيم كذلك الحال بالنسبة لمهنة المحاماة وكافة المهن العدلية الأخرى حتى يستقر الأمر على نهج قويم وفهم صحيح .
لقد ذهب بعض الذين يتوجسون بمهنة المحاماة إلى دمغها بصفة الشفعة وهذا فهمٌ خاطيء ومغلوط ذلك أن صحيح الفهم - المحاماة هي مهنة العون القانوني ومُعينة القضاء على استبيان الحقيقة - وهي تأخذ صفة القضاء الواقف من أجل تثبيت الحق وهى من ضمانات العدالة في الدول الراقية ، وليس هناك أرقى من دولة الإسلام وشرعها الحنيف مصدر العدل ومنبع الرحمة حيث الأحكام الدقيقة المنضبطة .وقد سبق الشرع الإسلامي في ذلك كافة النظريات في إرساء دعائم ومبادي العدالة والأخذ بأسباب الحيطة والحذر حيث لايُصدر حكمٌ إلا بعد التأكد من توافر الأدلة بشروط دقيقة وحيث أنّ تلك الشروط محددة فإنها تحتاج لعقل محيط بمواد النظام والمباديء العامة فقهاً وقانوناً بمايمكن من تطبيق صحيح فهم القانون وفقاً للحكمة التي ينشدها المشرع تحقيقاً للعدالة التي يرومها المجتمع فتستقر حياة البشر وتصفو النفوس . وماكان مبدأ الحديث الشريف ( أدرؤوا الحدود بالشبهات ) إلا سبق سامي للمبدأ القائل ( يفسر الشك لمصلحة المتهم ) وأن كثيراً من المباديْ والقواعد الراسخة كمبدأ ( الأصل في الأشياء الإباحة ) & ( الأصل في الأفعال البراءة مالم يثبت عكس ذلك ) - إلا وأنها سبقٌ للمبدأ القائل ( المتهم بريء حتى تثبُت إدانته ) .
إن مهنة المحاماة كغيرها من المهن العدلية الأخرى يتتطلب وضعها ضمانات إستثنايئة لحمايتها حتى يتسنى للمحامي القيام بمهمته على الوجه الصحيح دون خشية إملاقٍ أو خوف من أن يحيق عليه ضرر من أحد ، لذلك سنت الأنظمة والقوانين نصوص صريحة وواضحة لتثبيت هذا المبدأ حتى يتوفر لهذه المهنة تحقيق أهدافها لهذا تمنع تلك الأنظمة منعاً قاطعاً عدم تحريك الدعوى الجنائية في مواجهة المحامي أو القبض عليه أو تفتيشه أو إتخاذ أي إجراءآت جنائية في مواجهته حتى ولو كانت إجراءآت وقائية إلا بعد الحصول مسبقاً على إذن من الجهة المخول لها ذلك ، وفقاً للنظام وهذا مايُطلق عليه الحصانة القانونية للمحامي وبالطبع مثل هذه الحصانة ينبغي توفرها لكافة الذين يعملون بالأجهزة العدلية الأخرى .وحيث تندرج الحصانة القانونية ضمن المسائل الجوهرية التي لاتقبل الغموض أو التسويف حيث لا يتوفر للمحامي بدونها الجو المناسب للقيام بدوره كما ينبغي له أن يكون ، ذلك قد يتعرض المحامي للكيد من قبل خصوم موكليه أو من أي جهة متضررة من قيامه بالدور المنوط به!!!!؟؟ . وغنيٌ عن القول فإنّ الحصانة توفر للمحامي المقدرة على المبادرة أمام المحكمة بما يتسع لإمكانية إختلاف الرأي من أجل إستبيان الحقيقة لإحقاق الحق وتدارك الأمر قبل فوات الأوان فتكون مبادرة المحامي خير عونٍ قبل أن تقع المحكمة في الخطأ عند صدور الحكم . ذلك كون أنّ الحصانة القانونية تجعل من المحامي والقاضي صنوان هدفهما تحقيق الحق بالدليل والبرهان إرساءً لدعائم العدل الذي ينشده الجميع . وإن الدولة الحريصة على بناء أجهزه عدلية قوية تضمن للعاملين بها الإطمئنان بتوفير الحصانة الكافية لتحقيق هذا الضمان حيث لايمكن لأحد أن يحرك الدعوى الجنائية في مواجهة المشمول بتلك الحصانة إلا بعد أخذ الإذن من الجهة التي يحددها النظام ، ومثل هذا الإذن لايصدر في العادة إلا بعد التدقيق والتمحيص وتقصي الحقيقة بما يؤكد أن الشخص المطلوب رفع الحصانة عنه لايتعرض لكيد من أحد وأن هناك إدعاء جاد في مواجهته
يظل نظام المحاماة كغيره من النظم في حاجة للتطوير المستمر في هذا العصر المتسارع الخطىالكثير التعقيد المليْ بالمفارقات المستغرب منها والمستعجب من المسائل العلمية التكنولوجية وماتبع ذلك من إمكانيات حاسوبية ذات تقنية عالية ومدهشة بدأت تشكل تعقيداً في المعاملات والعلاقات حيث أصبح التعامل يتم عبر شبكة الإنترنت وما يتبع من ذلك من إبرام للإتفاقت والعقود وكافة أنواع المعاملات من تسوق وتسويق وغيرها من كافة شؤون المعاملات المتطورة يوماً بعد يوم .
. فضلاً عن ذلك التطور الكثيف الحادث في مجال الهندسة الجينية ( الوراثية ) حيث تخطى الأمر حاجز المحظور للتلاعب بجينات البشر بما لايتناسب خُلقاً وأخلاقاً مع آدمية الإنسان وماتبع ذلك من عمليات في التخليق داخل المختبرات العلمية وهذه مسألةٌ من شأنها خلق نزاعات قد يدخل محل الدعوى فيها حيز الأرحام ويكون موضوعها خلط الأنساب ومثل هذا الوضع المعقد يحتاج إلى من هو قادر على المواجهة بسلاح العلم والمعارف المختلفة محيط بعلم الحقوق والقانون ذو دراية بشيء من مباديء علوم الطب والهندسة والتجارة والزراعة والصناعة وساير علوم المجتمع من علوم إنسانية وإن لم يكن على علمٍ بدقائقها فلا بد له من أن يكون على شيء من الفهم يمكنه من تحديد من هو الشاهد الخبير في المسألة المطروحة أمام المحكمة حتى تصادف شهادة الشاهد الظرف الملائم لتوضيح الحقيقة أمام المحكمة وبهذا يصادف أيضاً المحامي الظرف الملائم لتقديم الأدلة والبراهين أمام المحكمة حتى يحقق الهدف المرجو ( تحقيق العدالة ) ، ذلك إن المصالح المرسلة للأفراد والمجتمع والدولة تتجدد الحاجة إلى كفالتها بصورة مستمرة وحيث أن العلاقات والمعاملات تتطور أيضاً فإن النظم والقوانين تتطور وتتعدد تلبيةً لحاجات المجتمع والأفراد في آنٍ واحد بما يحقق العدالة المنشودة .
ماإن توفرت العدالة إلا وتحققت الرغبات السامية وأمتلك العباد ناصية الفرح والسرور لهم وللآخرين وهذا ماوعد به الرحمن عباده الصالحين ومن صلح صلح عمله وحاله وتفتحت له أبواب الرحمة وأتسعت له آفاق المستقبل ذلك إن الأعمال الصالحة لا تتحقق إلا بمكارم الأخلاق صدقاً وأمانة .
حيث أن المحاماة تصبح ضرورة عدلية ملحة وحيث أن معظم الذين يتعرضون للظلم ضمن طبقة الفقراء الذين يغلب عليهم الجهل وعدم الدراية في كيفية تقديم قضيتهم أمام المحكمة حيث لا تكون لهم القدرة على توضيح الإلتباس الذي كثيراً مايحدث أمام المحاكم حيث يكون والحال هذا عرضة لعقوبة قد لايستحقها أو أن تفوت عليه فرصة الحصول على تخفيف العقوبة عنه رغم توافر أسبابها ، لهذا فمن واجب الدولة أن توفر العون القانوني لهم بما يمكنهم الإستعانة بمحامي للترافع عنهم في حالة القضايا الخطيرة من حيث طبيعة التهم الموجه لهم ومقدار العقوبة التي يواجهونها حتى لاتضيع حقوقهم فيختّل التوازن في المجتمع .
حيث أن الإدانة لاتثبت إلا بالبينة التي ترقى فوق مرحلة الشك المعقول وعبارة الشك المعقول عبارة دقيقة المعنى والمبنى لايتسنى فهم معناها وإستيعاب أبعادها إلا لمن حباه الله بملكة وحس رفيع وهو مانسميه بالحس القانوني والتمتع بهبة الوجدان السليم ، أي العقل الواعي والضمير الحي في معية الخلق الكريم لدى شخص خبيرٍ بأحوال الأشخاص والمجتمعات مزودٌ بالعلم والمعرفة ، وحيث أن المباديء العامة تتوفر على كثير من القواعد التي لايحيط بها الشخص العادي تتضح أهمية مهنة المحاماة من أجل الدفاع عن حق المجتمع والأفراد تأميناً لآفاق النظام في مستقبل التشريع والقضاء أينما حلا .وما التوفيق إلا بالله العلي القدير ،،،،،،،،،،

نشر بتاريخ 24-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة