التسويق في العصر الرقمي
ابو عمر الغامدى
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع ابو عمر الغامدى
التسويق في العصر الرقمي




التسويق سيظل هو التسويق بـ «المزيج التسويقي» المعروف وعناصره الأربعة التي أضحت أشهر من موقع (محادثة خاصة) على الانترنت!!
هذه العناصر هي التسعير والترويج (خاصة الإعلان) والتوزيع وتصميم المنتجات، وهناك من يضيف (الناس) كعنصر خامس يؤثر على العناصر الأخرى ويوجهها. السؤال الأهم الذي يطرح نفسه من أعلى برج جوال يصرخ ويقول كيف ستتغير أو تتأثر هذه العناصر بثورة الانترنت ودخول العالم إلى الاقتصاد الرقمي كما نلاحظ تجليات ذلك أمام أعيننا الآن؟ وكي ستتأثر وظيفة التسويق بمجملها مع هذه التقلبات التقنية المدهشة؟

بادئ ذي بدء، لا بد من التذكير أن التسويق الحديث قائم في الأساس على توجهات العملاء CUSTOMER OREINTED يتأثر بما يريدون وبما يدور في خواطرهم وما يمارسون من صرعات وصفقات!! لذلك يصمم المزيج التسويقي أو يؤسس عادة على ضوء صفات وخصائص وحاجات ورغبات جماهير العملاء. إذن في العصر الإلكتروني ومع الجماهير المتلهفة لكل شيء له علاقة بالانترنت والتجارة الإلكترونية يبدو أنه لا مناص من تبادل وتغيير المزيج التسويقي ولا بد أن يتطور ليتوافق مع واقع الحال الرقمي الرهيب.

«التسعير» مثلاً سيتأثر حتماً بحقيقة انترنتية تقول إن العميل يستطيع معرفة الأسعار المنافسة للمنتجات والخدمات حول العالم وبضغطة زر، وعليه سيكون من المستبعد أن توضع الأسعار بمزاجية المنتجين أو اعتباطية الوكلاء والموزعين. ولكن الأسعار الجيدة في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات وتحول العالم إلى «سوبرماركت» صغير يجب أن تحاكي مستويات الأسعار حول العالم مع وجود «زيادات» طفيفة لتغطي التكاليف التي قد يتحملها العميل في حالة الاتصال مع منتجين خارج الحدود مثل النقل والضرائب والضمانات والتأمين والمخاطرة وغيرها.

«الترويج» في عصر الانترنت سينقلب رأساً على مستوى الوسيلة والرسالة. الوسيلة الرئيسة ستصبح بلا شك الحاسب الآلي فهو سيكون وسيلة الالتقاء والاحتكاك المباشر مع جماهير العملاء وستتراجع الوسائل المقروءة وبقية الوسائل مثل المرناة (!!) والمذياع واللوحات الإعلانية غيرها. وإذا كان عدد مستخدمي الانترنت لدينا يبلغ النصف مليون إنسان ونحن في قاع الثورة فما بالكم بعدد الناس (مستخدمي هذه الوسيلة) الذين تصل لهم رسالة شركة ما عبر شبكة الانترنت في الدول التي تعيش في قمة الاقتصاد الرقمي.

الرسالة في عصر الانترنت يجب أن تكون موجزة جداً جداً وتركز على الاسم والشعار فقط. الرسائل التي هي أشبه بالمعلقات والمليئة بالرسوم واللقطات والصور والعبارات المزخرفة قد انتهى زمنها وإلى الأبد. الترويج سينصب في المقام الأول على اشهار الاسم والشعار لأن مستخدم الانترنت لا يجد الوقت الكافي ولا الشهية المفتوحة لقراءة ومتابعة الإعلانات المدبجة بالمجاملات والادعاءات والتقولات وصور الفتيات (ولا نزكي على الله أحداً)!!

«التوزيع»، كوظيفة تسويقية مهمة، تلقت طعنة نجلاء في عصر الانترنت، بل عدة طعنات، فالتجارة الإلكترونية تهدد وظيفة التوزيع المادي بقوة وقد ضربت الموزعين والوسطاء بصاروخ رقمي عابر للقارات يتيح الاتصال المباشر ما بين المنتج والمستهلك عبر الحدود والمحيطات ومن خلال جدران غرف النوم!! وعليهم الآن أن يقدموا خدمات متقدمة وحقيقية وتنافسية أو أن البساط سيسحب من تحت أقدامهم (ولات ساعة مندم). من ناحية أخرى عندما يريد مدير التسويق تصميم قنوات التوزيع فلا بد أن يضع «الحاسب الآلي» من ضمن جوقة منافذ التوزيع المتاحة، بل أهمها.

«تصميم المنتج أو الخدمة» هو الآخر ليس بعيداً عن التأثر بالعصر الرقمي. الفنادق والمقاهي والطائرات و... غيرها لن يقبل عليها جمهور يعتد به إذا لم تقدم خدمة الانترنت لزبائنها. كما أن تصميم المنتجات الحديثة لا ينفك عن التأثر بهذا العصر المدهش. اليوم، يجب أن تكون المنتجات متوافقة مع روح العصر الرقمي وقابلة للدخول في الانترنت من باب التجارة الإلكترونية أو الإعلان الإلكتروني أو التزود بتقنية حاسوبية إلكترونية أو التسمي (من تسمية) بشيء له علاقات بالانترنت وأخواتها، وهذا اضعف الإيمان.

«الناس» وما ادراك ما الناس، تقول العرب منذ سالف الأزمان (ارضاء الناس غاية لا تدرك) ولكن في عصر الثورة الإلكترونية أصبح الوصول إلى الناس وارضاؤهم وحملهم على السلوك أو التصرف المطلوب (الاقتناع والاقناع) اقرب من حبل الوريد ويمكن الوصول إليه على ظهر فارة!! لقد سقطت الحواجز المادية بين المنتجين والناس وأضحى التخاطب مع العملاء مباشرة أمراً عادياً لا يستلزم الاستعانة بالوسطاء والوكالات المتخصصة والمستشارين ومن لف لفهم.

من هذا المنطلق اصبحت وظيفة التسويق اخطر واصعب لان الاحتكاك مع عامل متغير أو عنصر متحرك (مشاعر وانطباعات المستهلكين) يستوجب ديناميكية فائقة في التفكير والاستراتيجية التسويقية ومن ثم تغيير دائم وحركة مستمرة في الأساليب والإجراءات والطرق التسويقية المتبعة. لنأخذ هذا المثال، في السابق ينتقل المستهلك إلى السوق ويشاهد البضاعة ويرى سعرها ويقارنها مع مجموعة بسيطة من المنتجات المعروضة على الرف ومن ثم يتخذ القرار والذي يتأثر بالظروف الزمكانية (من الزمن/الوقت والمكان/المسافة) وكذلك بالرغبة في عدم العودة إلى البيت خالي الوفاض. أما الآن فهو لم يغادر (صالة الجلوس) في منزله ويشاهد المنتج ويرى سعره (وفي المستقبل قد يتمكن من تذوق المنتج!!)، ويقارن مع منتجات منافسة باعداد ومصادر ومستويات جود مختلفة ثم يقرر بدون ضغوط في الوقت والمكان وبالسعر والجودة المطلوبة. صورة مختلفة تماماً تتطلب أساليب وطرق تسويق مختلفة بطبيعة الحال.

نحن نعيش في (خضم) قفزات إلكترونية وعصر رقمي مختلف ويبدو أن التسويق كـ (فن وعلم) لن يجد بدا من الولوج إلى «عصر» جديد تحيط به (حتمية التغيير والاختلاف) كاحاطة السوار بالمعصم.


د. صنهات العتيبي
نشر بتاريخ 23-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة