ماذا أورث محمد البشرية بعده؟ (1)
ابو عمر الغامدى
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع ابو عمر الغامدى
ماذا أورث محمد البشرية بعده؟ (1)









الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن أتبع هداه، وبعد:



من حقِّنا نحن المسلمين أن نعتزّ ونباهي بأنَّ الله تعالى أكرمنا بهذا الدين الذي هو أعظم نعمة أنعم بها علينا، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} [المائدة:3]. ومن تمام هذه النعمة أنه أرسل إلينا بهذا الدين خير رسله وهو محمد عليه السلام، وأنزل إلينا به خير كتبه وهو القرآن، وجعلنا بذلك الأمّة الوسط، لكي نكون شهداء على الناس.

أجل أرسل إلينا ربنا خيرَ رسله، وخاتم أنبيائه محمداً صلى الله عليه وسلم، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أرسله بالهدى ودين الحق، فعلَّم الناس به من جهالة، وهداهم من ضلالة، وفتح برسالته أعيناً عُمياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غلفاً، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. كما قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164].

ماذا أورث محمد البشرية بعده؟

إن عمر محمد عليه الصلاة والسلام كله كان ثلاثاً وستين سنة، وعمره بعد البعثة ثلاث وعشرون سنة، ثلاثة عشر عاماً قبل الهجرة، وعشرة بعد الهجرة. ولكن هذه الأعوام المحدودة غيّرت مسير العالم ومصيره، وحوّلت مجرى البشرية من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. حتى اعتبره أحد الأمريكان (الشخصية الأولى في تاريخ البشرية).

إن الملوك يتركون وراءهم قصوراً يشيّدونها، أو حصوناً يثبّتونها، أو أموالاً يورّثونها، فماذا ترك محمد صلى الله عليه وسلم للبشرية من ميراث أو تركة تورّث من بعده؟

والحق أن محمداً صلى الله عليه وسلم ترك بعده، أو قل: أورث البشرية كلها أشياء عظيمة ونفيسة جداً، لم يورث أحد مثلها، تتمثل في أربعة أشياء:

1. القرآن الكريم، وبيانه من السنة والسيرة.

2. الرسالة العالمية الخالدة المستمدّة من القرآن والسنّة.

3. الأمة القائمة على هذه الرسالة، التي ابتدأت بالصحابة.

وسنتحدّث عن كل منها بكلمة تلقي الضوء عنه.

(1)

القرآن الكريم

وما بيّنه من السنة

أول وأعظم ما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو كتاب الخلود (القرآن الكريم).

ذلك أنَّ الله جل جلاله، أيَّد محمداً صلى الله عليه وسلم بما لم يُؤيَّد به رسولاً من رسله، فقد أُيِّد الرسل من قبله بآيات كونية، ومعجزات حسية، كما أُيِّد صالحا بالناقة، وأُيِّد موسى بالعصا تنقلب حية تسعى، وبيده السمراء، يخرجها من جيبه فتظهر بيضاء من غير سوء، وأُيِّد عيسى المسيح عليه السلام، بإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، وإحياء الموتى بإذن الله.

وهذه المعجزات آيات عظيمة بلا ريب، ولكنها آيات حسية، لا يؤمن بها إلا من شاهدها، وهي لا تُشاهد إلا وقت وقوعها، فمن جاء بعد ذلك يستطيع أن ينكرها، لأنه لم يرها ولم يشاهدها بعينه.

ولكن مزية الآية أو المعجزة التي أيَّد الله بها خاتم رسله: أنها آية أدبية ومعجزة عقليه، لا تنقضي بمرور زمنها، بل هي باقية ما بقي الزمان. إنها القرآن الكريم، الذي كان من جنس ما نبغ فيه العرب، وقد نبغوا في صنف البيان والبلاغة والأدب والشعر، فتحداهم القرآن أن يأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين، فعجزوا، فتحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فغُلبوا، فتحداهم أخيرًا أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فهُزموا وانقطعوا، وحقّ عليهم قول الله تعالى: {قل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88].

ولا يزال هذا الكتاب العظيم إلى اليوم يجدِّد تحدِّيه للعالم، ويتجلّى إعجازه كما لم يتجلّ من قبل. فمنهم من يتحدّى ببيانه الأدبي الفائق الرَّوعة، مثل شيخنا الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه: (النبأ العظيم), وسيد قطب في كتابه: (التصور الفنِّي في القرآن), والدكتورة بنت الشاطئ في كتابها: (التفسير البياني للقرآن).

ومنهم من يتحدى بإعجازه، التشريعي والإصلاحي، مثل الفقيه العلامة الشيخ محمد أبو زهرة في مثل بحثه (شريعة القرآن دليل على أنه من عند الله), والعلامة المجدِّد محمد رشيد رضا في كتابه: (الوحي المحمدي).

ومنهم من يتحدى بإعجازه العلمي وهم كثيرون، جلهم أو كلهم من رجال العلم الكوني، لا من شيوخ العلم الشرعي، مثل الدكتور زغلول النجار، والأستاذ عبد المجيد الزنداني، وغيرهما.

وقد قامت هيئة خاصة في (رابطة العالم الإسلامي) للإشراف على هذه القضية، ولها أبحاث كثيرة، ولعلماء الإعجاز كتب وفيرة، بالعربية وغيرها.

القرآن يؤسّس والسنة تبيّن وتفصّل:

جاء القرآن ليضع الأسس العامّة، والقواعد الكلية، والمبادئ الأساسية للرسالة الإسلامية، التي بُعِث بها محمد، وجاءت السنّة النبوية بالبيان النظري والتطبيق العملي لما نَزَل به القرآن، فقد تُخَصِّص السنّة ما عمَّمه القرآن، وقد تُقيِّد ما أطلقه، وقد تُبيِّن ما أجمله، أو تُفسِّر ما أبهمه، أو تضع النماذج العملية لما أرشد إليه من قيم مثالية، ومن مناهج كلية، وهو ما يدلُّ عليه قوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44] ولهذا اعتبر العلماء أن السنّة محفوظة بحفظ القرآن؛ لأنها بيانه، وحفظ المبيَّن يستلزم حفظ البيان كما قال الشاطبي، وإلاّ بقي بلا بيان.

والسنّة هي مجموع ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعل وتقريرات، وصفات خِلقية أو خُلُقية، أو سيرة.

فالسيرة جزء من السنّة ومن البيان النبوي العملي للقرآن، المتعلّق بحياته عليه السلام، كما سئلت عائشة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت وما أبلغ ما قالت: كان خلُقُه القرآن.

فحياته صلى الله عليه وسلم تفسير عمليٌّ لهذا القرآن، فهو مصحف مفسَّر يمشي على قدميه.

ومن هنا كانت أهمية السنّة بما فيها السيرة التي خلّفها لنا رسول الله من بعده، فهي المصدر الثاني بعد القرآن في التشريع والهداية والدعوة والتربية، والتثقيف والتنوير، بما فيها من جوامع الكلم، وجواهر الحِكَم، وكنوز المعرفة، وحوافز الخير، وروائع التوجيه، وبيّنات الأحكام.

السيرة مدرسة عملية:

والسيرة النبوية خاصة مدرسة عملية، يتعلّم الناس منها شعب الإيمان ومكارم الأخلاق، وحقائق الدعوة، وركائز الجهاد.

فقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]. وهي سيرة مكتملة الحلقات، تمتدّ من الطفولة والصبا والشباب والرجولة حتى الوفاة. وكلّها محفوظة مروية معلومة، حتى أخصّ خصوصياته عليه السلام.

وهذه السيرة لشمولها وتنوُّعها وامتدادها، يجد كلُّ إنسان فيها مجالا للتأسِّي والاقتداء، فالشابُّ يجد فيها مجالا لمحمد الشاب المكافح، الذي لم يعتمد على نسبه وحسبه، ولكن رعى الغنم، واشتغل بالتجارة عاملا لأرباب المال بطريق المضاربة، بعيدا عما يشتغل به الشاب الفارغ من اللهو والمجون، مستقيما على الطهارة الأخلاقية، حتى سمَّوه (الأمين).

ويجد فيه الزوج مثالا للزوج الوفي، الذي يحرص على تكوين الأسرة الصالحة من وراء الزواج، فتزوَّج امرأة ثيِّبا ذات أولاد من غيره، تكبره بخمسة عشر عاما كما قيل، وكان معها أسعد ما يكون الأزواج مع زوجاتهم، وظلَّ يذكرها بعد وفاتها، حتى غارت منها أحبُّ نسائه إليه - السيدة عائشة - وهي في قبرها.

صاحب الزوجة الواحدة يجد فيه أسوة، وصاحب أكثر من زوجة يجد فيه أسوة، زوج المرأة الكبيرة، وزوج المرأة الشابة، زوج العربية وغير العربية، الثيِّب والبكر.

ويجد الأب فيه الأسوة، كيف يعامل أولاده، والجدُّ كيف يعامل أحفاده، كيف يلاعب الأولاد، ويداعب الأحفاد.

لا تستطيع أن تقتدي بالمسيح عليه السلام في شيء من ذلك؛ لأنه لم يتزوَّج، ولم ينجب، فلم يكن جدًّا ولا أبا، لأنه لم يكن زوجا.

ولا تستطيع أن تقتدي بالمسيح إذا كنتَ غنيًّا؛ لأنه لم يمتلك المال، حتى تعرف كيف يعمل فيه، ولا تستطيع أن تقتدي به في سلمك إذا سالمتَ، ولا في حربك إذا حاربتَ، لأنه لم يحارب ولم يسالم، وبالتالي لم يُعرف ماذا يفعل إذا انتصر، وماذا يصنع إذا انكسر.

محمد غزا وغُزي، وانتصر وانكسر، وأُخذت منه العبرة في هذا وفي ذاك. فلم يستخفَّه النصر عند انتصاره كيوم بدر، ولم يتزعزع موقفه عند انكساره مثل يوم أحد.
نشر بتاريخ 22-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة