ماذا أورث محمد البشرية بعده؟ (3)
ابو عمر الغامدى
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع ابو عمر الغامدى
ماذا أورث محمد البشرية بعده؟ (3)








(3)

أمته عليه الصلاة والسلام

كما أروث محمد البشرية كتابه القرآن الكريم، وأورثها رسالة القرآن، رسالة الرحمة العالمية، أورثها (الأمّة) التي تقوم على هذه الرسالة، إيماناً بها، وتطبيقاً لأحكامها، ودعوة إليها.

وقد بدأت هذه الأمة بأفضل أجيالها، بل أفضل جيل في التاريخ، جيل الصحابة رضوان الله عليهم. هذا الجيل الرباني القرآني الذي تربّوا في مدرسته صلى الله عليه وسلم، وتخرّجوا على يديه, وهم الذين وصفهم الله بقوله تعالى: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157], وقال لرسوله: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ● وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62-63], وهم الذين وصفهم القرآن بالإيمان الحق: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74], وهم الذين قال عنهم في سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ● وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8-9], كما أثنى القرآن على السابقين منهم فقال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100], فلم يكتف بوصفهم بأنهم رضي الله عنهم ورضوا عنه, بل وصف بذلك مَن اتّبعوهم بإحسان.

وهم الذين منَّ الله بنصرهم في بدر, واتّخذ منهم شهداء في أُحُد, وقالوا في غزوة الأحزاب: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22], وهم الذين بايعوا الرسول على الموت تحت الشجرة يوم الحديبية, كما قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18], وهم الذين خُتمت سورة الفتح بالثناء العاطر عليهم, كما قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29], وهم الذين قال عنهم في سورة الحديد: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10].

وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبُّوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" (متفق عليه عن أبي سعيد).

وقال: "خير الناس قرني ثم الذين يلُونهم ثم الذين يلُونهم" (متفق عليه عن عمران بن حصين).

ويزداد فضل هؤلاء الصحابة حين نقارن بين سيرتهم وسيرة أصحاب الأنبياء, فأصحاب موسى خذلوه حين دعاهم إلى دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم, ورغم الوعد والوعيد والإغراء والتحذير، قالوا بعناد: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24], وهنا دعا موسى ربه فقال: {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25].

ولهذا قال المقداد بن الأسود في غزوة بدر وقد استشارهم الرسول صلى الله عليه وسلم في الخروج للمشركين: والله لا نقول لك كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون, ولكننا نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون!

وأصحاب عيسى من حوارييه وأقرب الناس إليه خذلوه عند المحاكمة, وأنكره حواريه بُطرس أكثر من مرة، وتبرَّأ منه مَنْ تبرَّأ, ولكنَّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فدَوْه بأنفسهم في الهجرة وفي الغزوات.

خصائص الأمة:

هذا الجيل هو طليعة الأمة، وأمّا أمته عليه الصلاة والسلام فقد وصفها القرآن بأربعة أوصاف:

1- الأول: أنها أمة جعلها الله، أي: هو صانعها, فهي أمة ربانية, كما قال الله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143], فهي أمة مجعولة, كما قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110], فهي أمة لم تخرج من نفسها, ولكنها أُخرجتْ, ولكنها لم تخرج لنفسها, بل أُخرجت للناس: لهداية الناس, لتنوير الناس, لإسعاد الناس, لنفع الناس. والذي أخرجها هو الله تعالى.

2- والثاني: أنها أمة (وسط) فهي أمة متوازنة, لم تغلو غلو اليهودية في الجانب المادي, ولا غلو النصارى في الجانب الروحي, لم تسرف في التحريم إسراف اليهود, ولم تقتر فيه تقتير النصارى, لم تضيّق على الفرد كتضييق الاشتراكيين, ولم تسحقه, كما فعل الرأسماليون.

إنها أمة الوسطية الجامعة, التي وازنت بين الروحية والمادية, بين الدينية والدنيوية, بين المثالية والواقعية, ربطت الأرض بالسماء, ومزجت الروح بالمادة, والخلق بالخالق, ووازنت بين الحقوق والواجبات, وجمعت بين النورين: نور العقل ونور الوحي (نور على نور), وقالت لمن يغلو في العبادة: "إن لبدنك عليك حقا, وإن لنفسك عليك حقا, وإن لأهلك عليك حقا, وإن لزورك- زوارك - عليك حقا, كما أن لربك عليك حقا, فأعط كل ذي حق حقه" (متفق عليه عن ابن عمرو).

قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلم المثالي: "ساعة وساعة". (رواه مسلم عن حنظلة) أي: ساعة لقلبك وساعة لربك.

وقال لمن سأله أيقيّد الناقة أم يتوكل على الله: "قيدها وتوكل" (رواه الترمذي عن أنس).

وقال الصحابة: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً, واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.

وجاء في الحديث: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة - نخلة أو شجرة صغيرة - فإن استطاع أن لا تقوم- أي الساعة- حتى يغرسها فليغرسها" (رواه أحمد عن أنس). لماذا يغرسها والساعة ستقوم ولن يبقى أحد ليأكل منها, للإيذان بأن المسلم إنسان عامل منتج معطاء حتى تلفظ الحياة آخر أنفاسها، أنه يتعبّد بالعمل.

3- وهي أمّة تتميّز بالخيرية على الأمم كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110], ولكنها ليست خيرية جنس, كخيرية الشعب الإسرائيلي الذي زعم أنه شعب الله المختار، بل هي خيرية أوصاف يستحقها كل من عمل بها, من أي عرق كان أو لون كان لذا قال: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110], فهي متميزة بأنها أمة دعوة وأمر بمعروف ونهي عن منكر, وحاملة راية الإصلاح في العالم، كما أنها أمة إيمان بالله.

4- وهي أمة واحدة كما قال الله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92], {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52], كأنما تشير الآيتان إلى أنه لا تتم العبادة، ولا تكتمل التقوى إلا باتحاد الأمة. فهي تقوم على توحيد الكلمة، كما تقوم على كلمة التوحيد. أي على توحيد المعبود سبحانه، وعلى توحيد العابدين.

هي أمة واحدة في عقيدتها, وفي عبادتها، وفي قبلتها، وفي شريعتها، وفي قيمها، وفي مناهجها، وفي آدابها وتقاليدها، وفي مصيرها المشترك, قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] وقال: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:105] وقال: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46].

وقد جسّد الإسلام هذه الوحدة بأحكام أساسية ثلاثة:

1 - وحدة المرجعية.

2 - وحدة الدار.

3 - وحدة القيادة.

وحدة المرجعية (الشريعة):

أما وحدة المرجعية, ففرض على الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها: أن تحتكم إلى الشريعة الإسلامية, التي شرعها الله لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد, وهي شريعة تحافظ على ضروريات الخلق من الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وتقوم على اليسر ورفع الحرج، ورعاية الضروريات والحاجات، وعلى تحرّي العدل ونشر المرحمة بين الناس، كما قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الجاثـية:18], وهذه الشريعة تجمع المسلمين ولا تفرّقهم, وتقرّب بينهم ولا تباعد, كما قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].

وحدة الدار (دار الإسلام):

والمفهوم الثاني: وحدة الدار, فالإسلام يعتبر البلاد المختلفة التي انتشر فيها الإسلام وأضحى أهلها في أغلبهم مسلمين (دار الإسلام), لا يسمّيها ديار الإسلام, وإن كانت متعددة الأقاليم, بل يعتبرها داراً واحدة, يلتزم أهلها بالدفاع عن كل جزء منها بالتضامن، حتى لو تقاعس أهل إقليم ما, أو جبنوا عن طرد العدو الذي دخل بلادهم, فإنَّ على جيرانهم الأدنين, ثم من يليهم, ومن يليهم, الدفاع عن هذا الجزء من دار الإسلام حتى يتحرر, حتى يشمل المسلمين جميعهم عند اللزوم, ولا يجوز أن يبقى جزء من أرض الإسلام في أي موقع كان دون حراس يحمونه وجنود يحررونه.

وحدة القيادة:

والوحدة الثالثة: وحدة القيادة السياسية, التي تتمثل في (الخلافة), التي عرّفها العلماء بأنها: نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين وسياسة الدنيا به.

فالخلافة ليست مجرّد حكم بالشريعة الإسلامية, بل هو حكم الأمة المسلمة بالشريعة الإسلامية, فلا تعدّ خلافة إذا كانت خاصة بإقليم من الأقاليم, كبر أو صغر, قرب أو بعد.

وقد ظلّت الأمة الإسلامية أمّة واحدة أكثر من ثلاثة عشر قرناً, تضمّهم دولة واحدة, وتحكمهم قيادة واحدة, راشدية, أو أموية, أو عباسية, أو عثمانية, وكانوا يرون ذلك فريضة عليهم, لا يجوز التفريط فيها, حتى اجترأ مجترئ أن يهدم هذه القلعة التاريخية, ويهتك هذه المظلة الإسلامية، في يوم أسود من أيام التاريخ, حتى رثى أمير شعراء العرب أحمد شوقي موت الخلافة, في إحدى روائعه الشعرية, حين قال:

عادت أغاني العرس رجع نواح ونُعِيتِ بين معالم الأفـراح

كُفِّنْتِ في ليل الزفـاف بثوبـه ودفنت عند تبلـج الأصباح

ورغم ضياع الوحدة السياسية للأمة، لا تزال الأمة الإسلامية موجودة، وهي حقيقة لا وهم. حقيقة دينية، وهي حقيقة تاريخية، وهي حقيقة جغرافية، وهي حقيقة ثقافية، ومن أنكر وجود هذه الأمة، فليرها كل عام في موسم الحج.

ومن أنكرها كذلك فليرها عندما يُعتَدى على مقدس من مقدّساتها كما في الرسوم الكاريكاتورية الدانماركية المسيئة إلى نبيّها صلى الله عليه وسلم.

أو في الفيلم الهولندي المسيء إلى قرآنها العظيم.

أو في القرار السويسري الأخير الذي منع بناء المآذن في سويسرا.

أو في العدوان الوحشي الذي وقع على غزة في العام الماضي.

أو في التهديدات المستمرة على المسجد الأقصى، حيث تهدده الحفريات من تحته، والتعديات من فوقه.

ومنذ أربعين سنة تعدّى يهودي على منبر المسجد الأقصى فتحرّكت الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها وفرضت على قادتها لأول مرة بعد هدم الخلافة أن يجتمعوا في صورة قمة إسلامية في المغرب من أجل إنقاذ المسجد الأقصى، وبهذا تكونت (منظمة المؤتمر الإسلامي) التي تحاول أن تمثل أمة الإسلام بما لديها من إمكانات ضعيفة نرجو أن تتقوّى، وأن تدرك الأمة مدى مسؤوليتها عما يجري في أرض الإسلام من مآسي تقشعرّ لها الأبدان، وأهوال تشيب لها الولدان.

الأمة يقاتل بعضها بعضاً في العراق.

الأمة يقاتل بعضها بعضاً في أفغانستان.

الأمة يقاتل بعضها بعضاً في باكستان.

الأمة يقاتل بعضها بعضاً في الصومال.

الأمة يقاتل بعضها بعضاً في اليمن.

الأمة يقاتل بعضها البعض في السودان.

وقد أسّست مع إخواني علماء الشريعة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لنجمع علماء الأمة على كلمة سواء، في المواقف الإ

سلامية الكبرى، التي تحتاج إلى كلمة الحق، وتبصير الأمة بما لها وما عليها، وتحذيرها من الفرقة والخصام، فضلا عن الصراع والاقتتال، وسفك الدم الحرام.



ونريد من حكام الأمة وقادتها موقفا حاسماً لله ولرسوله وللمؤمنين، أن يدعوا خلافاتهم، وأن يصلحوا ذات بينهم، وأن يسمعوا لنصيحة نبيّهم في حجة الوداع: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" (متفق عليه عن جرير وابن عمر)، وأن يقوم الحكماء منهم من أولي الأيدي والأبصار، بالتعاون فيما بينهم للدفاع عن الأمة، وحل مشكلاتها، وجمع كلمتها، والإبقاء على هويتها.


نشر بتاريخ 22-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة