الأيدي المرتعشة لا تصنع حملات تسويقية ناجحة
أبو ظافر المطيري
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع أبو ظافر المطيري
لم أجد مديرا شجاعا يتقبل توجيه النقد للشركة التي تملكه بشكل علني، وكنت أحيانا الملام على أي اتصال أو تعليق أو رد سلبي تركه عميل غاضب على إعلان أو دعاية أو مقال ترويجي – لماذا لم أحذفه فورا ولماذا تركته، ولم تفلح محاولاتي في بعض المواقف في تبرير أن مثل هذه الردود السلبية متوقعة وطبيعية، يجب تركها حتى تبدو الشركة طبيعية مثلها مثل بقية البشر، وليست شركة ملائكية سقطت من عنان السماء!

http://www.shabayek.com/blog/wp-content/uploads/2011/12/chevy-apprentice-header.jpg

لست أدعي البطولة، فقبل قراءاتي في عالم التسويق كنت لأفعل الشيء ذاته دون تردد، لكن التسويق علمني أن كل شيء يجب تجربته قبل الحكم عليه، مرة واثنتان وثلاثة، واليوم أعرض عليكم تجربة أمريكية في عام 2006 بطلتها شركة شيفروليه بسيارتها العملاقة تاهو. [لا تفهم كلامي هنا على أنه تسويق لشركة شيفروليه الأمريكية فأنا أفضل عليها سيارات هيونداي الكورية، على أني لست ممن يقودون سيارات دفع رباعي ولذا فلست الحكم الأمثل في هذه النقطة.]

أرادت شركة الدعاية التي تتعامل معها شركة شيفروليه تقديم فكرة جديدة تماما للدعاية للطراز الجديد من سيارة التبذير الرباعي Tahoe لعام 2007، ولأنها طراز جديد، أراد المفكرون في تلك الشركة المجيء بفكرة جديدة تماما، ولذا وجدوا في شبكة انترنت الحل الأمثل. هذه المرة، لن تصمم الشركة الإعلان المصور، بل ستترك لعموم مستخدمي انترنت حرية تصميم الإعلان الأمثل، ومن سيصمم أفضل دعاية إعلانية سيكون هو الفائز. الخطوة الذكية هنا كانت أن المستخدم يستطيع حفظ الإعلان الذي صممه على الموقع ليراه العالم كله.

لتشجيع الناس على المشاركة، وفرت شيفروليه أفلام دعائية وموسيقى تصويرية وبرامج تحرير فيديو على موقع خاص (لا يعمل معي لا أدري لماذا Chevyapprentice.com) وأعلنت عن الموقع وعن الفكرة ضمن البرنامج التليفزيوني الشهير The Apprentice للمستفز الكبير دونالد ترامب. بسرعة انتشر الخبر ودخل الكثيرون ليصمموا ما يحلو لهم من إعلانات، وبطبيعة الحال، دخل معهم الكثيرون من الغاضبين.

وجد معارضو السيارات التي تحرق كميات كبيرة من الوقود تلوث بها الهواء وتترك آثارا سامة في كل مكان، وكذلك المحذرون من الإحترار العالمي وغيرهم، الفرصة سانحة للتعبير عن كل ما يريدون تحذير العالم منه. بدورها، كانت هذه الدعايات السلبية ذات مستوى جودة عالية وذكاء كبير في التنفيذ، وبالتالي حظيت بنسب مشاهدة أعلى. لم تقف المصائب هنا، إذ استخدم المستخدمون أدوات الموقع في تصميم إعلانات رفعوها بعدها على موقع يوتيوب الجديد وهناك حيث حظيت بنسب مشاهدة أعلى من تلك التي حظي بها الموقع.



كان السؤال الآن: هل تستمر شيفروليه في هذه المغامرة الفاشلة؟ هل تترك الإعلانات السلبية والهجومية على موقعها الذي أطلقته للدعاية لمنتجها الجديد؟

[طبعا لو سألت أي مدير تسويق أو مبيعات يعمل في العالم العربي فلربما أتهمك بالجنون، فمن يسأل هل الشمس تشرق بالليل أم بالنهار!] من فضل الله أن تحلى صاحب الأمر في شيفروليه بالشجاعة الأدبية، فرفض حذف أي إعلان سلبي، فماذا حدث بعدها؟ تحدث الجميع عن هذا الأمر، من مؤيد لمعارض لخبير تبارى في شرح الخطأ الذي أقدمت عليه شيفروليه وأنها شركة غبية يديرها حفنة من الحمقى، لكن الأيام – كعادتها – حملت غير المتوقع.




* حصل الموقع منذ إطلاقه وحتى نهاية 2006 على عدد كبير من الزيارات، قرابة 629 ألف زيارة.
* كل زائر من هؤلاء قضى في المتوسط 9 دقائق في الموقع.
* 66% من هؤلاء الزوار انتقل من الموقع لزيارة موقع شيفروليه على انترنت.
* على مر 3 أسابيع، نجح هذا الموقع في جذب عدد كبير جدا من الزوار إلى موقع شيفروليه، بشكل لم تفلح الحملات الإعلانية على ياهوو أو جوجل في تقديم مثله.
* 20% فقط من الإعلانات المصورة حملت لهجة هجومية سلبية، من إجمالي 22 ألف إعلان مصور!
* انتعشت مبيعات شيفروليه في الربيع التالي رغم أنها فترة تشهد إقبالا ضعيفا على شراء سيارات جديدة.
* خلال 9 شهور من إطلاق تاهو في الأسواق، كانت كل 4 سيارات دفع رباعي تباع في السوق الأمريكية، يكون منها سيارة تاهو مباعة.
* كانت فترة الانتظار منذ الخروج من المصنع حتى البيع هي 4 شهور للسيارات الرباعية، لكن سيارة تاهو هذه كانت تباع بعد 46 يوما (=شهر ونصف) فقط من خروجها من المصنع.
* نصح محرر مجلة Advertising Age كل المعارضين لهذه الفكرة أن يستقيلوا من عملهم في التسويق ويتركوا هذا المجال.

بالطبع في الأمر مفاجآت كثيرة، حاول الكثيرون تفسيرها وفهمها، فمنهم من قال أن كل الدعايات السلبية حملت معلومات ليست بجديدة، فالكل يعرف مشاكل سيارات التبذير الرباعي، فهي تستهلك كميات مخيفة من الوقود، وهي وسيلة ضعاف النفوس للتعبير عن غناهم الفاحش وفرصتهم للتميز عن غيرهم، وهي تلوث الجو بشكل مدمر، وكل ما سيقوله الناس عن هذه السيارات سيبقى قديما، معلوما، معروفا، لا يحمل أي جديد. على الجهة الأخرى، خرجت الشركة الكبيرة شيفروليه عن المألوف، وتركت من يعارض ليعارض، الأمر الذي جعل الناس تهتم بالمتابعة والمشاهدة، وهذه هي أقصى درجات نجاح يمكن لأي إعلان الوصول إليها.

بالتالي، فإن حذف أي تعليق سلبي / هجومي لن يخفي الحقيقة – مهما كانت هذه الحقيقة، وإذا حذفت شركة ما تعليقا سلبيا على موقعها، فبإمكان المستخدم العادي الذهاب إلى أي موقع آخر والتنفيس عما بداخله. الانترنت جعلت المستخدم صاحب اليد العليا، وجعلت من المستحيل منع أي عميل من التعبير عن رأيه.

حتى في حال قام شخص مثلي – على سبيل المثال – بالتعبير عن معاناته السابقة مع وكيل شركة سيارات يابانية، فهذا الوكيل يستطيع رفع قضية تشهير ضدي والفوز بها والزج بي في السجن حتى أدفع له الملايين تعويضا عن الضرر الأدبي الذي وقع له، لكني كذلك قادر على إطلاق عدة مدونات مجانية بأسماء مستعارة كلها تشرح تفاصيل معاناتي هذه، ولأني أملك الوقت اللازم، أستطيع تكرار ذلك الأمر عشرات من المرات، وهو الأمر المرهق ماليا واستراتيجيا لهذا الوكيل حين يبحث عن كل واحدة ويحاول حذفها أو الرد عليها، ولذا سيكون الأفضل له مواجهة المشكلة وحلها وجها لوجه معي، فهذا الحل سيكون أرخص له في النهاية.

الانترنت غيرت من معادلة القوة، ولم يعد لجيوش المحامين أو مناجم المال الوفير الأثر المرعب المؤثر مثل السابق!

الجبناء لا يصنعون حملات تسويقية ناجحة. الشجاعة تفعلها!

هل الأمر مطلق؟ بالطبع لا، ولذا للحديث بقية، نتناول فيها جحيم دل!

على الجانب:
* اعتدت حين أعرض أفكارا تسويقية جديدة مماثلة، أن أجد رسائل طريفة على شاكلة: لقد جربت هذه الفكرة ولم تنجح، وأنت لا تفقه شيء في التسويق. لهم أكرر: ما ينجح مرة ليس شرطا أن ينجح حين تكرره. هذه قاعدة ذهبية في عالم التسويق.
نشر بتاريخ 22-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة