ماركو، مليونير المصادر المفتوحة
أبو ظافر المطيري
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع أبو ظافر المطيري
في حقبة الستينات من القرن الماضي، فضلت والدة مارك (أستاذة اللغة الفرنسية) سبنسر الرحيل عن مصر وثورتها، مهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تزوجت بأمريكي (أستاذ مادة التربية) واستقرت هناك، ثم رُزقت بابنها مارك في 8 أبريل 1977. في رغبة قوية في الحفاظ على أواصر العلاقات الأسرية، أصر جد مارك على مجيء الأحفاد في إجازة الصيف إلى مصر لقضاء بعض الوقت هناك.
ذات يوم رجعت فيه من جولتي التقنية إلى الشركة التي أعمل بها، لأجد عبقري كمبيوتر واعد منكفئ على حاسوبه النقال يكاد يفتك بلوحة المفاتيح كتابة، وجدته جالساً في الغرفة التي كنت أشغلها مع بعض الزملاء. اشتهر صاحب الشركة التي كنت أعمل بها بأنه مغناطيس يجتذب إليه عباقرة الكمبيوتر المحليين، ولولا الخوف من الغرور لقلت أن هذا سبب موافقته على تعييني لديه، ولذا لم أعجب من تواجد عبقري كمبيوتر آخر في مكتب الشركة.
كان ماركو (كما أحب أن نناديه) شديد الاختلاف، فهو كان في المرحلة الثانوية وقتها وهو كان خبير وعبقري نظام التشغيل اللينوكس يسير على قدمين، وهو ساعدنا في حل كثير من مشاكل ويندوز 95 رغم تحامله على مايكروسوفت بصفتها قاتلة الإبداع. بزغ اختلاف ماركو من كونه جادُا طوال الوقت، يأخذ كل كلمة على محمل الجد، وهو يأس من تكرار إبداء امتعاضه من كثرة الهزل بيننا في الشركة، وهو كان مستعداً للأخذ بيد الجميع إلى عالم اللينوكس، وساعدنا على تحميله على كثير من الأجهزة – لكننا وللأسف، كنا قد أدمنا ويندوز. لقد كان ماركو سابقاً لزمنه – مقارنة بنا في مدينة الإسكندرية.
بقيت على اتصال مع ماركو بعد عودته لبلاده، وكان دائم الدعوة لنا لهجر ويندوز إلى عالم لينوكس. حصل ماركو على منحة جامعية شاملة في ذات الجامعة التي يعمل فيها والديه، وأعمق في دراسة لينوكس وتطويره. في هذه الأثناء كان ماركو يعاني من كثرة أصدقائه الذين يستعملون مختلف برامج الدردشة (ام اس ان، ياهو، آي سي كيو،…) للبقاء على اتصال مع بعضهم البعض. كيف يحل ماركو هذه المشكلة؟ انكب على تصميم برنامج Gaim الذي يسمح للمستخدم – من خلال نافذة واحدة- بالدخول على جميع خادمات برامج الدردشة في وقت واحد، دون الحاجة لتنزيل كل برنامج على حدة. مبادئ ماركو الثابتة تصر على مشاركة مصدر أي برنامج يصممه مع غيره من الناس، عملاً بذات الروح التي عليها قام نظام التشغيل لينوكس، وهي سياسة أثبتت جدواها، إذ سرعان ما شاركه الكثيرون حول العالم في تطوير البرنامج فنقلوه ليعمل على غالبية أنظمة التشغيل، واستمروا في تطويره ليواكب كل جديد في عالم برامج الدردشة في وقتنا الحالي. اليوم وصل عدد مستخدمي Gaim لقرابة اثنين مليون مستخدم.
لا أجزم لكني أؤمن بأن مشاكل رداءة خطوط الاتصال الهاتفية في مصر كان لها الفضل على ماركو، الذي كان مدمن إنترنت، ولذا تعين عليه خلال إجازته الصيفية المتكررة التعامل مع أجهزة المودم مباشرة لكي يقنعها بأن تبقى على اتصال برغم المستوي المزري لخطوط الهاتف في مصر، هذه الخبرة بنى عليها حين قرر إنشاء شركته الخاصة لتقديم الدعم الفني لنظام اللينوكس. هذا بالإضافة إلى ولعه بهندسة تصميم الدوائر الإلكترونية –بالطبع!
أثناء دراسته الجامعية أنشئ ماركو شركته الجديدة لتقديم الدعم الفني لمستخدمي نظام لينوكس، لكن واجهته مشكلة ابتدائية بسيطة، فهو بدء شركته برأس مال قدره 4 آلاف دولار، وبالتالي فهو لا يستطيع شراء سنترال داخلي لتلقي اتصالات العملاء الهاتفية وتولي أخذ الرسائل الصوتية (كان النظام الذي يريده ماركو يكلف 10 آلاف دولار). انكب ماركو على برمجة الحل الأمثل لمشكلته: برنامج النجمة Asterisk والذي يعمل على نظام لينوكس ويحتاج لبطاقة مودم وخط اتصال هاتفي واتصال بشبكة إنترنت. ما هي أيام حتى انتهى من النسخة الأولية من البرنامج، الذي طرحه بالمجان على إنترنت مع توفير مصدره في عام 1999. لم يكن ماركو وقتها مُركزاً جل اهتمامه على النجمة، ليس بعد.
مع انتهاء فورة إنترنت وإفلاس الكثير من شركاتها، قل الطلب على خدمات ماركو لدعم لينوكس، الذي اضطر في ربيع 2001 من تحويل جل اهتمامه من تقديم الدعم الفني إلى خدمات الاتصالات عبر إنترنت. في نهاية 2001 كانت شركة ماركو تبيع عتاد اتصالات متوافق مع برنامجه النجمة، وما هي إلا بضعة شهور حتى بدأ العمالقة يفسحون المجال لعملاق جديد بينهم. بدأت شركة إنتل في بيع بطاقات اتصال متوافقة مع برنامج النجمة، وأما آي بي إم ذات العلاقات القوية مع شركة سيسكو -عملاقة إنتاج أجهزة الاتصالات، فحافظت على علاقة قوية وطيبة مع ماركو، فهي عرفت أن المستقبل له.
انتهى المآل ببرنامج النجمة اليوم بأن تم تحميله أكثر من نصف مليون مرة، وبدأت الكثير من الشركات حول العالم في الاعتماد عليه. توفير شيفرة مصدر البرنامج جعل 350 مبرمج من حول العالم يضيفون للنجمة أكثر من 100 بريق (وظيفة). في عام 2005 أعلنت سيسكو عن نتائج دراسة أجرتها على أكبر 100 شركة استخدمت النجمة عوضاً عن منتجاتها، وهي وجدت أن الثبات والإنتاجية الغزيرة والدعم الفني القوي والتطوير المستمر والخدمة الممتازة هي أهم أسباب انتقال العملاء، وليس فقط انخفاض التكلفة.
يتيح برنامج النجمة اليوم لمن يستخدمه توفير قرابة 80% من تكلفة شراء عتاد الاتصالات الهاتفية في أي شركة، وهو يوفر خدمة الاتصال الهاتفي عبر إنترنت، ويمكن توصيله بأي سنترال تليفوني في أي شركة، وهو برنامج شديد المرونة قابل للتخصيص ليتوافق مع أي متطلبات للعملاء. تستخدم شركة الكهرباء الجنوبية الأمريكية برنامج النجمة في الرد على الاتصالات الهاتفية وتحويلها إلى رسائل نصية يتم إرسالها إلى أصحابها عبر الهواتف النقالة.
شركة ديجيم Digium التي أسسها ماركو في عام 1999 توظف أكثر من 50 موظف وتدر أكثر من 10 ملايين دولار سنوياً مقابل مبيعات عتاد اتصالات يوفر المزيد من الخدمات عبر برنامج النجمة، ومقابل خدمات الدعم الفني وخدمات تخصيص البرنامج لصالح العملاء.
أثناء دراسته الجامعية عمل ماركو بدوام جزئي في شركة متخصصة في تصميم وبيع أجهزة الاتصالات الداخلية (سنترالات) لمدة سنتين. بعدما صمم برنامجه النجمة باع سُبع شركته إلى ذات الشركة مقابل نصف مليون دولار. من يسير في جنبات شركة ماركو يجدها منشأة في مكان إيجاره قليل، تحتوي على أجهزة كثيرة وقد شقت بطونها وتناثرت أحشائها على مكاتب الموظفين الذين يحبون اختبار كل ما هو جديد، لكي يأتوا بالجديد.
ألاحظ على وجوه الكثير من الشباب العربي حين أحدثهم عن التفاؤل والهمة والمجيء بالجديد تساؤلات عن الجديد الذي يمكنهم المجيء به، واليوم أقول لهم، ماذا عن نسخة نجمية عربية؟!
نشر بتاريخ 22-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة