راتب الموظف..مشكلة حقيقية أم أزمة مختلقة
أبو ظافر المطيري
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع أبو ظافر المطيري
يبقى الراتبُ في عالمنا العربي نقطةً شائكةً في علاقة رب العمل والموظف يحكمها مزيج متشابك من العقد والرواسب النفسية والاجتماعية والاقتصادية أيضاً. فالجُملةُ التي تقال: "الراتب لا يكفي" هي عبارةُ الموظف العربي المأثورة التي لا تكاد تفارق شفتيه. وجملةُ: "الرواتب تنخر الميزانية" هي جملة أرباب العمل المفضلة وخاصة القطاعَ الخاص. وبين هذا وذاك تبقى الشركاتُ هي الضحيةَ نفسها التي تسير بخطى بطيئة عرجاءَ كاتبة بذلك على كلٍّ من صاحبها وموظفيه الخسارةَ والفشلَ.سنكون منصفين حقاً لو قلنا إن الأمر تاريخي. أي أنه ومنذ أن أَخذت جُلُّ الدول العربية استقلالَها في منتصف القرن العشرين، أو أقلّ أو أكثر قليلاً، كان أنْ أخذ زمامَ الأمورِ والمناصبِ الرئيسية المهمةِ ناس محدودون ملكوا بذلك نصيب الأسد، وبقيت الشريحة الكبرى من المواطنين يعيشون في وضعية متوسطة أو ضعيفة مادياً. هذه الوضعية قد خلفت شعوراً شبه دائم في المواطن بأن الوظيفة التي حصل عليها أو سيحصل عليها هي أقرب إلى المنـّة من طرف الشخص الذي كان السبب بها "الواسطة"، على حساب أنه قد أنقذه من براثن البطالة والفاقة. ويشعر الشخص الذي كان السبب في العمل"الواسطة" أو ربُّ العمل أنه قد منّ على الموظف بوسيلة لكسب العيش ما كان سيصل إليها لولاه. هذا التركيب المعقد -من وجهة نظري- هو الذي أنشأ تلك العلاقةَ الشائكة بين الاثنين (الموظف والمدير) فانعكست، أولَ ما انعكست، على الراتب بطبيعة الحال، وربما ثمة عوامل أخرى، لكنها تتضاءل أمام هذا العامل الرئيسي المترسب منذ مدة. ثقبٌ في الميزانيةِتبعاً لما ذُكر.. يستحيل أن يفكر رب العمل بإعطاء الموظف ما يستحقه. كيف ذاك وهو الذي يحسب أنّ الموظف لا يقوم بشيء سوى إحداث ثقب جديد في الميزانية. ناسياً، أو متناسياً، أن الخدمة التي يقدمها هذا الموظف هي ما يجعل شركته تقوم على قدميها. هو أيضاً لا ينسى الارتباك والتودُّد الذي كان يطبع موظفه ذاك يوم جاء يطلب العمل. فلا يمكن -بعد هذا- أن يعطيه راتباً يناسبه. وهو إنْ فعل، فلا يكفُّ عن السُّخط والتذمر وتقريع الموظف متى وجد الفرصة لذلك. فهل ينتظر رب العمل هذا إخلاصاً وأداءً نشيطاً من موظفه؟. طبعاً ينتظر أن يعطيَ موظفه أكثر مما يأخذ، لكنه لا ولن يحصلَ على ما يريد. وقد جرت أمام عيني قصةٌ تدل على هذا: أعرف مدير إحدى الشركات المتوسطة بالمغرب، وهو بصراحة شخص بخيل، لا يكفُّ عن متابعة الموظفين بعينينه أو اللوم أو التقريع. وكلما تقدم إليه أحدهم بطلب رفضه أو قبله على مضض. ببساطة.. كان يتعامل بعدائية معهم ولا يهمه في كل ما يجري سوى أن يكون دَخْلُ شركته عالياً، وبعد ذلك.. فلْيكن الطوفان. والأدهى من كل هذا وأمرُّ أن الراتب كان ضئيلاً جداً. لاحظ الموظفون ذلك وبدأت الهمْهَماتُ والأحاديث الساخطة تدور:- إنه يربح أموالاً لا تحصى ويحاسبنا على دريهمات مغربية معدودة. - إنه لا يريد إعطاءنا حقوقنا، فلنأخذها بأيدينا. - على الباغي تدور الدوائر. ولْنرَ أيَّنا أشد ذكاء وأكثر خبثاً. ما حدث بعد ذلك كان كارثياً بكل المقاييس. بدأ كل موظف يأخذ من الميزانية ما يريد ودون أن يشعر رب العمل (لم يكن ثمة نظام جيد لمراقبة دخول الأرباح وخروج المصاريف)، وتهاون الجميع تهاوناً يكاد يكون مطلقاً. وقد تزامن ذلك مع غياب المدير مُدَداً طويلة في ذلك الزمن الذي امتدَّ شهرين تقريباً. بعدها لاحظ المدير أن الأرباح تضاءلت أقلَّ من النصف وأن أغلب الزبائن قد رحلوا. ومتأخراً جداً كان قد اكتشف الأمر واضطر إلى تغيير موظفيه وزيادة الرواتب. وفي زيارة له قمت بها مؤخراً، كان من غريب الصدف أن أجده يجادل أحد موظفيه على دريهمات معدودة! حقاً، إن الإدارة فن. وعلى من لا يتقن هذا الفن أن يستعد لحرب طاحنة مع موظفيه، وسيكون هو الخاسرَ فيها بالتأكيد. لقد أخطأ الموظفون وما كان ينبغي لهم أن يسرقوا أموالاً ليست لهم. لكنّ رب العمل أيضاً لم يكن منصفاً، فتحمل مسؤولية بخله وظلمه. وقد كان الجزاء من جنس العمل. لا تبخسوا الناسلقد ضمن الإسلام منذ أربعة عشر قرناً حق العامل على حساب أن ربَّ العمل راعٍ وهو مسؤول أمام الله عن رعيته. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في وعيد صريح: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفِّه أجره" رواه ابن ماجة. فالتحذير هنا من بخس العامل حقَّه وإعطاءه أقلَّ مما يستحق استغلالاً لحاجته إلى العمل. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى يتبين له أجره". وهذا الحديث موجه إلى بعض أرباب العمل الذين يوظفون العمال دون الحديث عن الأجر وترك العامل معلقاً، حتى إذا رموا إلى العامل في آخر الشهر بالفتات لم يجد ما يقوله ما لم يكن ثمة عقد واضح بالأمر. وها هو نبي الله موسى يعمل أجيراً ولا يجد غضاضة في ذلك. لكن مع فرقٍ كبير في الاتفاق المبدئي وفي معاملة صاحب العمل له وطريقة عرضه عليه: "قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِيْ ثَمَانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ" (القَصص الآية 27). فلننظر إلى طريقة العرض ولْنتأمَّلها بما فيها من حفظِ الحقوق وصون كرامةِ العاملِ أيما حفظ. ولننتقل إلى سورة يوسف لنشاهد سيدنا يوسف عليه السلام وهو يعرض مهاراته في العمل محتفظاً كل الاحتفاظ بكرامته بالرغم من أنه يطلب وزارة الاقتصاد، ومن ملك مصر آنذاك: "قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" (الآية 55). لقد حفظ الإسلام كرامة رب العمل وكرامة الموظف أو العامل. ويكفي العاملَ تحذيراً قولُه صلى الله عليه وسلم: "من غشَّنا فليس منا" وقولُه: "إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة". وكفى بالتهاون والتراخي وهدر ساعات العمل تضييعاً للأمانة وغشاً لا يرضاه الله. حوارٌ ومعاييرُتبعاً لما ذكر.. تبقى علاقة الموظف برئيسه -للأسف- علاقةَ عِداءٍ مُحكم في عالمنا العربي، في الأغلب الأعم. ولو تخيلنا بينهما حواراً لكانت الجملتان التاليتان كافيتين:الموظف: أنت لا تعطيني ما أستحق.المدير: أنت لا تستحق ما أعطيك.غير أن فضَّ الاشتباك بين الطرفين لن يزول إلا إذا وُضِّحت المعايير التي يعطي على أساسها ربُّ العمل راتبَ الموظف. لن نكون مجحفين لو قلنا: قلما تؤخذ الكفاءة بالحسبان، فيكفي ربَّ العمل أن الموظف سيؤدي ما عليه في المكان الذي سيشغله. فليس ثمة أي اعتبار للشهادات الأخرى التي قد يكون حصل عليها الموظف والتي تخوله الترقية وكسب وظيفة أفضل. وثمة استثناءات طبعاً تتمثل في إطار الذين يفرضون همَّ رواتبهم ويشترطونها، وليس عن هؤلاء نتحدث بل عن الموظف البسيط الذي يريد أن يطور نفسه ويترقى. لكن ماذا عن الجانب الآخر؟ لماذا يعطي بعضُ المديرين موظفيهم رواتب كافية لكنهم يتقاعسون في الأداء؟ من المؤكد أن هناك شركات منصفة، وأن هناك أرباب عمل يتَّقون الله في موظفيهم. لكنهم – عن جهل في الغالب – لا يعلمون شيئاً عن الإدارة وفنونها وطرق معاملة الموظفين.. إلخ. وبسذاجة، كلما لاحظ ربُّ العمل نقصاً في أداء موظفيه، زادهم في رواتبهم معتقداً أنه بذلك يحفزهم، وهذا ليس صحيحاً تماماً. لذا تجد رب العمل حائراً أمام هذه الوضعية سائلاً نفسه: لماذا لا يبدو الموظفون مندفعين ومتحمسين كما أتمنى؟ والزيادة في الراتب قد تحفز بعض الموظفين بعض الوقت. لكنها لا تحفز كلَّ الموظفين كل الوقت. فما العمل للوصول إلى النتيجة الأخيرة؟ أولاً- احذر اللاءاتِ التاليةَ:- لا تضع قواعد كثيرة يجب على الموظفين اتباعها.- لا تنتقد موظفاً أمام زملائه. - لا تحجب معلوماتٍ مهمة عن موظفيك هم في أمس الحاجة إليها في العمل. - لا تقبل أداءً منخفضاً، وإلا أحس الموظفون النشطون بالغبن. - لا تظلم موظفاً أياً كانت الأسباب، وفكر في القرارات قبل اتخاذها. ثانياً- طبِّق ما يلي:- لا تفرض نظاماً معيناً على موظفيك لتأدية أعمالهم الصغيرة، دعهم يختارون ما يرتاحون إليه. - إذا كان العمل روتينياً، أضف إليه بعض أشكال المرح، كالألعاب التنافسية مثلاً. - أعط موظفيك قدوة من نفسك في العدل والنشاط والحماس. - أشعل المنافسة المقبولة عن طريق تكوين مجموعات تتغير من حين إلى آخر، وخصص جائزة للمجموعة صاحبة الأداء الأفضل. - طور أهداف وتحديات كل موظف من موظفيك على حدة. أخيراً، للعامل حق، مثلما لرب العمل، والراتب هو وسيلة من وسائل تأكيد هذا الحق أو غمطه. ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون.
نشر بتاريخ 19-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة