فلسفة ثقافة المنظمات وفن تكوين فرق العمل (2)
أبو ظافر المطيري
مشترك منذ 19-2-2012
مواضيع أبو ظافر المطيري

فى الجزء الأول[/u] تحدثنا عن أحد التفسيرات والنظريات المهمة فى كيفية تكوين الثقافات وكانت النظرية هى نظرية Edgar Schein والذى يفترض أن الثقافة تتكون من ثلاثة طبقات وهى
الطبقة الأولى : السلوكيات الظاهرة (Artifacts)
الطبقة الثانية : القيم والمعايير (Values and Norms)
الطبقة الثالثة : القناعات والمعتقدات (Underlying Assumption)


http://farm3.static.flickr.com/2558/3966110546_654b93a5da.jpg
وحتى تكون الأمور أوضح دعونا نبسط المسألة
الانسان منذ ولادته يرى أشياء وطريقة معينه ونمط للتصرف حيال الأمور يتعلمها من والديه ومن بيئته المحيطة به كزملائه ومدرسته ومن يكبره سنا ويبدأ الطفل فى التقليد والمحاكة حتى تصبح هذه التصرفات وطريقة فعل الأشياء والحكم عليها قيم ونمط يعيش به ثم تبدأ هذه التصرفات فى الترسخ فى عقله وعلى الرغم من أنها أشياء غير مكتوبة إلا أنها تُحفر داخل الانسان وتصبح التصرفات والسلوكيات أمرا طبيعيا اعتياديا يصعب نقاشه والحديث عنه وتكون لديه معتقدات وقناعات يوجه بها أفعاله إذا تعرض لموقف مشابه بل تصبح هى المقياس الذى يقيس عليه الأمور وتتحكم فى طريقة تعاطيه مع أمر جديد لم يتعرض له من قبل
وبالمثال يتضح المقال
فقضية الثأر لدى أهلى وأحبابى فى صعيد مصر هى تفسير واضح وبين لهذه الاشكالية
فترىى الانسان مهما علا فى تعليمه وترقى وأصبح حاصلا على أفضل المناصب العلمية اذا حدث وتعرض لموقف يتطلب منه الثأر تراه يكون أول الداعين له والمدافعين عنه وتبدأ سلوكياته وتصرفاته الظاهرة تتغير لتناسب الموقف الذى تعرض له رغم أنه فى سنوات حياته العلمية قرأ الكثير وتعلم الكثير عن حرمة سفك الدماء وعن شناعه هذا الفعل
وكذلك قصة سيدنا عمر بن الخطاب وهو يروى عن نفسه فيقول ” أمران في الجاهلية أحدهما يبكيني والآخر يضحكني، أما الذي يبكيني: فقد ذهبت بابنة لي لوأدها، فكنت أحفر لها الحفرة وتنفض التراب عن لحيتي وهي لا تدري ماذا أريد لها، فإذا تذكرت ذلك بكيت، والأخرى: كنت أصنع إلهاً من التمر أضعه عند رأسى يحرسني ليلاً، فإذا أصبحت معافى أكلته، فإذا تذكرت ذلك ضحكت من نفسي”
فعمر رضى الله عنه من بنى عدى وكانت بنى عدى مشهورة بحسن الرأى وسلامته وكانت لسيدنا عمر بن الخطاب مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم وقد استبانت حكمته بعد اسلامه فى موافقاته للقرآن وفى حسن رأيه حتى مدحه النبى صلى الله عليه وسلم فعن ‏أبي هريرة ‏‏رضي الله عنه ‏‏قال ‏ ‏قال رسـول اللـه ‏صلى اللـه عليه وسلم ‏:( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ‏‏محدثون ،‏ ‏فإن يك في أمتي أحد فإنه ‏‏عمر ‏) ‏
‏وعن ‏أبي هريرة ‏‏قال ‏: ‏قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم : ( لقد كان فيمن كان قبلكم من ‏بني إسرائيل‏ ‏رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي منهم أحد ‏‏فعمر )
وقال علي بن أبي طالب : ( إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه )
وقال عبد الله بن عمر : (مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر ، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر )
لعل الناظر يرى أن هذا الأمر سخيفا إذ كيف يقع فيه مثل هذا اللبيب الحكيم لكنها القناعات التى تكونت وترسخت ولم تعد مجالا للمناقشة أو لإعادة التفكير فيها والتى تحرك السلوك الظاهرى
ولعل الأمر الآن أصبح واضحا فى تفسير تكون الثقافات
وعل هذا يمكننا تفسير تدنى الفائدة من التدريب فى المؤسسات إذ أن الأفراد لم يغيروا قناعاتهم بالتدريب ولم يجربوا على أرض الواقع السلوكيات والمهارات التى أخذوها من التدريب نتيجة للاهتمام بالكم وكثرة المعلومات وعدم التطبيق كورش عمل أو نتيجة لعدم المتابعه من الشركة بعد انتهاء التدريب ومراقبة أداء الموظفين وهناك عوامل أخرى سنفرد لها بعض التدوينات
و لعلنا كذلك نستطيع أن نفسر هذا الانهيار والتردى الأخلاقى الحادث فى المجتمعات الاسلامية رغم بزوغ القنوات الفضائية وكثرة الدعاة والوعاظ والقصاصين
لأن التدين الحاصل نتيجة لهذا الكم هو تغير ظاهرى وشكلى ولم يغير فى القناعات بل غير فى السلوكيات الظاهرية فانتشر الحجاب واللحية والذهاب إلى العمرة وحب الشباب لعمل الخير لكن بقيت القناعات الداخلية كما هى دون حدوث تغيير وهذا مجال واسع إن أردنا الحديث فيه ربما يأخذ خمس أو ست تدوينات عن أسبابه وهل هو صحيح وهل هو فعلا يبشر بحدوث تغيير فى واقع المجتمعات أم أنها مجرد موضه وستنتهى وتخلف آثارا مدوية تلحق الضرر بالمجتمعات وتخلق دمارا يأخذ ازالة آثار الركام المنبعث منه سنين طويلة حتى تعود النفوس كما كانت
وربما فسر ذلك ضعف الثقافة داخل الشركات وانعدام فرق العمل والميل إلى الفردية فى العمل وحب الظهور والاستحواذ وفرد العضلات
ولعل هذا أعطانا صورة واضحة لكيفية احداث التغيير فى مجتماعاتنا وفى شركاتنا ومؤسساتنا ومنظماتنا فإذا أردنا أن نبنى أى ثقافة

ثقافة حب العمل
ثقافة فرق العمل ونبذ الفردية
ثقافة الانتاجية
ثقافة تقبل الرأى الآخر

لابد أن نقوم بعمل دراسة مستفيضة للسلوكيات المترسبة والعالقة التى تربى علىها الأفراد المراد تغييرهم ثم نبدأ فى غرس مفاهيم جديدة مضادة لهذه المفاهيم السيئة وداعمه للتوجه الجديد حتى نستطيع أن نغير وأن نصل إلى نتيجة
فى التدوينة القادمة سنعرض عملا ابداعيا يحكى بالصوت والصورة كيف تتغير القناعات وكيف يمكن تغيير الثقافات وهى يحكى بالتفصيل ويرسم صورة رائعه يمكن أن تفيدنا وتدلنا على الطرق الصحيحة لتكوين فرق العمل وتعديل القناعات وتفسير السلوكيات الظاهرة
نشر بتاريخ 19-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة