التسويق السياسي وأنماطه
أبو مازن عوض
مشترك منذ 12-1-2012
مواضيع أبو مازن عوض
ردود أبو مازن عوض

ظهر التسويق السياسي كنشاط يعبر عنه بآليات السوق خلال العقدين الماضيين، وأول دراسة علمية حوله ظهرت في عام 1990. ويبدو ان نمو هذا النشاط قد جاء على خلفية فقدان الثقة في الأحزاب السياسية وفي السياسيين، وازدياد الفجوة بين الجمهور والمؤسسات ما زاد من الاتجاهات السلبية نحو الممارسات الديمقراطية في المجتمعات الغربية.
ورافق هذا النمط من الصناعة السياسية الجديدة موجة من النقد على اعتبار انه يفرغ السياسة من مضامينها الحقيقية ويحولها إلى مجرد منتج أو سلعة قابلة للترويج ولتطبيق قوانين العرض والطلب عليها، الأمر الذي يعني ان السياسة سلعة قابلة للبيع والاستهلاك.
وفي الوقت الذي أخذت فيه هذه الصناعة بالاستقرار وشكلت مناخها الخاص بها في الديمقراطيات الغربية، نجد المفارقات في الآليات التي انتقل فيها هذا النشاط إلى مجتمعات الديمقراطيات الناشئة والمقيدة أو المجتمعات المتحولة، وتشكل بعض دول الشرق الأوسط احد نماذجها.
ساد خلال السنوات القليلة الماضية في المجتمعات المتحولة، والأردن واحد منها، انماط متعددة من التسويق السياسي المملوء بالمفارقات، بل ومحاولة شراء وعي الناس بدلا من لفت انتباههم نحو رؤية سياسية جديدة أو تطوير قدراتهم نحو مشاركة سياسية أو تنموية حقيقية. ولا ينسحب هذا التعميم على كافة حملات التسويق السياسي، على الرغم ان اغلبها وقع في شراك تلك الاختلالات؛ حتى أصبح هذا النمط من النشاط السياسي التجاري القائم على الترويج وشراء الخدمات الاستشارية احد مظاهر زيف العمليات الإصلاحية على المستويات السياسية والتنموية، حينما اخذ يعمق الفجوة بين المؤسسات والمجتمعات ويزيد من عمق جرح عدم الثقة المزمن.
تتضح المشكلات السابقة جليا كلما وضعت مضامين حملات التسويق السياسي على المحك، أو إذا ما جد الجد واختبرت الوقائع مدى جدية تلك المضامين، الأمر الذي ولد قناعة لدى العامة بعبثية هذه الأنشطة وعدمية السياسة من خلفها، هذا من جهة، ووضع اليد من جهة اخرى على أهم مشاكل التسويق السياسي في مجتمعاتنا، وبالتحديد المتمثلة في عدم القدرة على تأصيل هذا النشاط لكي ينبع من الهوية المحلية وشروطها الثقافية والاجتماعية. بل بدا الأمر على طريقة القص واللصق من تجارب مجتمعات اخرى مختلفة في خبراتها ومكوناتها الاجتماعية والنفسية.
الخطورة الحقيقية التي كشفتها حملات التسويق السياسي، المرتبطة في اغلب الأوقات بالمال السياسي الخارجي، تكمن في تزيف الوقائع وتشويهها أو اجترار الماضي؛ ومثال ذلك الترويج ضمن حملة تسويقية واسعة لمضامين سياسية اجتماعية حول الزواج المبكر للفتيات ومحاولة بناء صورة ذهنية، وكأن هذه الظاهرة تبتلع ملايين الفتيات الصغيرات، يتم ذلك في مجتمع تعد فيه مشكلة العنوسة وتأخر سن زواج الإناث التحدي الاجتماعي الأكبر في المجتمعات المحلية الريفية قبل المدنية بفعل الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر.
ارتبط نمو التسويق السياسي في الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة بخطاب الإصلاح السياسي بشكل واضح، كما ارتبط بالمبادرات الدولية وما حملته من مضامين دعت إلى تحولات عميقة نحو الليبرالية الاقتصادية وقيمها، إلى جانب ما حرضت عليه في بعض جوانب الاصلاحات السياسية والحقوق المدنية والمبادرات التعليمية والإصلاحات الاجتماعية السياسية مثل أوضاع المرأة والشباب والمشاركة المجتمعية. والمفارقة الأخرى ان بعض القوى الرافضة لتلك المبادرات ولتيار الاصلاحات الجديد قد استفادت من التقنيات والتجارب التي أتى بها التيار الأول أكثر من غيره.
تنتشر حملات التسويق السياسي بشكل منظم وغير منظم في المنطقة العربية واخذ بعضها مؤخرا التخلص من ارتباطها بفكرة الإصلاح من أصلها. بل يبدو التسويق السياسي احد أشكال العولمة السياسية العائدة من جديد والاندماج في سوق عالمي مواز.
في بعض البلدان اخذ التسويق السياسي الحيز الأكبر في منهج إدارة الأوطان. ويمكن رصد أربعة انماط تسود في هذا الوقت وتبني الخبرة التسويقية في هذا المجال:
النمط الأول التسويق السياسي الكلي أو الشامل والذي يستهدف كيانات بأكملها، وإذا كان هذا النمط قد انتقل إلينا من الولايات المتحدة الموطن الأصلي له من نمط(الحزب ذو التوجه التسويقي) إلى نمط(الدولة ذات التوجه التسويقي)، فإننا أخذنا نشهد كيانات سياسية في منطقة الشرق الأوسط تبني مكانتها السياسية ودورها على استخدام استراتيجيات*التسويق السياسي*، والذي ينعكس أحيانا في سلوكها السياسي أكثر من أي تفاعلات سياسية اخرى.
النمط الثاني هو تسويق المؤسسات السياسية؛ على الرغم ان هذا النمط يشكل احد الميادين الأساسية في التسويق السياسي في الغرب إلا انه ما زال لدينا اضعف انماط التسويق، حيث لم تلج الأحزاب ولا مؤسسات التمثيل الديمقراطي هذا الميدان، ولم تطور تقنيات محلية في سياق آليات التنافس الجديدة للتعبير عن ذاتها.
والنمط الثالث هو تسويق السياسات الذي ارتبط بشكل واضح بالمبادرات الخارجية وبمشاريع الإصلاح الدولية وبالأجندة الدولية بشكل عام، وقُدم بشكل بائس من خلال مؤسسات المجتمع المدني في أكثر من مكان في العالم العربي مفتقدا ابسط القواعد العلمية للاتصال السياسي والقواعد الفنية لما يسمى مزيج التسويق السياسي.
أما النمط الأخير فهو تسويق الرموز السياسية؛ واستفاد من هذه التقنيات الرموز السياسية المحسوبين على التيارات التقليدية والدينية أكثر من الرموز التحديثية، حيث استفادوا من المزاوجة بين التقنيات الجديدة وشروط البنية المحلية.
قدرة التسويق السياسي قد تجلت في الولايات المتحدة في خلق كاريزميات سياسية جديدة أكثر من أوروبا، لان البنية الاميركية لا تخلق بذاتها هذه الكاريزميات، الأمر الذي جعل هذه البيئة مضطرة إلى الاستعانة بالأساليب التسويقية لبناء زعامات وقيادات سياسية تسوقها للرأي العام.
في المحصلة نجد ان خبرة التسويق السياسي المعتمدة على تقنيات الاتصال المعاصرة أصبحت صناعة كبرى في الغرب وبلغ دخلها في نهاية عام 1996 ستة مليارات دولار في الولايات المتحدة، شكلت احد مظاهر فشل الاصلاحات في المنطقة العربية، ولم تخدم التحول الديمقراطي وتنمية المجتمعات المدنية بقدر ما زادت من عبثية السياسة وعدم جدواها في نظر الجمهور، وحولت جزءا كبيرا من المجتمعات المدنية إلى مجرد مؤسسات انتهازية بدون رسالة مجتمعية حقيقة هدفها الجري وراء المال السياسي، ولو بتزييف الواقع أو اختراعه أحيانا اخرى.

نشر بتاريخ 14-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة