مشـروع الـعــمُـر
أبو مازن عوض
مشترك منذ 12-1-2012
مواضيع أبو مازن عوض
ردود أبو مازن عوض
في ظل ارتفاع الأسعار وارتفاع نسبة البطالة وبداية انحسار الطبقة المتوسطة يردد كـثير من الناس عزمهم وأمنيتهم في أن يكون لـهم مشروع يُطلق عليه في كـثير من الأحـيان (مشروع العمر) حيث يسهم هذا المشروع في إخراجهم من أزمتهم المادية التي قد تكون متمثلة في سداد دين أو حاجة إلى رأس مال لبداية مشروع تجاري صغير أو بحث عن قرض لشراء منزل أو غيرها من الاحتياجات التي تشغل بال كثير من الناس، ومحورها الرئيس هو المادة أو كما يُقال (تحويشة العمر).


من المؤلم أن كثيراً من هؤلاء يركز فقط على السعي نحو طلب المال وتوفيره دون السعي إلى ما هو أهم من ذلك، وهو تكوين هوية وتحديد شخصية من سيتملك هذا المال ويتصرف فيه، ولذلك فقبل أن تفكر في أن تحصل على المال لمشروعك يجب أن تقوم بمشروع آخر أهم قد لا يكلفك كثيراً، وهو أن تنظر إلى نفسك وتعد نفسك مشروعاً يجب أن يدرس بكل تفاصيله، ويتم من خلال هذا المشروع التعرف على نقاط القوة في نفسك وتسعى إلى تنميتها، والتعرف على مواطن الضعف والسعي نحو معالجتها، والإدراك بأن هذه الشخصية يجب أن تكون شخصية ناجحة حتى تستطيع أن تدير مشروعاً ناجحاً في المستقبل.


إن مشروع العمر لكل إنسان يجب أن يبدأ قبل كل شيء من داخل الإنسان، إذ عليه أن يتيقن بأنه لو سعى نحو تطوير ذاته وتنمية قدراته وتقوية شخصيته وزيادة الثقة بنفسه فإنه قد استطاع أن يقطع مسافة جيدة نحو إنجاح مشاريعه الأخرى التي قد لا تكون قد بدأت، ولكنه أعد نفسه للنجاح وهيأها للإنجاز.


إن ما يؤلم لدى كثير من الناس هو اندفاعهم نحو تأسيس مشاريع مختلفة وهم يفقدون التأسيس الأساسي لنفوسهم، ويصدمون بعد أن يبدأوا مشاريعهم بأنهم غير مهيئين للعمل في هذا المشروع ويشعرون بقلق الفشل يتسرب إليهم، فينتقلون منه إلى آخر ظناً منهم أن الخطأ كان في اختيار المشروع، فإذا بهم يواجهون المشكلة نفسها ويلمسون بوادر الفشل قادمة فينسحبون من المشروع إلى آخر وهكذا يمضي العمر ويضيع المال وتضيع الجهود ويتعذر بعض المواصلين في هذا الطريق بقولهم إن سلسلة الفشل سيعقبها النجاح ويبقى منتظراً متناسياً أن من نجحوا بعد تجارب الفشل قد استفادوا من الفشل في تغيير شخصياتهم وسلوكياتهم وإعادة تأهيل أنفسهم لتصبح مهيأة للنجاح، فالنجاح لن يأتي للمشروع بشخصية مهزومة، والنجاح لن يأتي في الحياة بنفس اعتادت على الكسل والخمول وغيرهما من الخصال السيئة.


ولذلك فإن مشروع العمر يكمن في تهيئة النفس وإعداد الشخصية لتكون شخصية ناجحة وهو مشروع يساوي وزنه ذهباً، وهو المشروع الذي لو استطاع الفرد أن ينجح فيه، فسيسهل عليه باقي الأمور، بل قد يصبح غيرها من النجاحات تحصيل حاصل ومسألة وقت.


إنني أؤمن بأن الإنسان الذي يسعى نحو تطوير قدراته وإمكاناته ومؤهلاته بشكل علمي متقن، ويسعى إلى زيادة خبراته وتطوير مهاراته ومتابعة كل جديد في مجال تخصصه والنزول إلى الميدان لتطبيق ما لديه من علم، والاحتكاك بالآخرين هو في حد ذاته ثروة وهو بهذا العمل يعد عملة نادرة، وبدلاً من أن يجري خلف المال والثروة سيجد أن المال هو الذي يجري خلفه، وسيجد العروض تأتيه من كل حدب وصوب وسيبقى عليه الاختيار بينها بما يراه مناسباً له، ولن يحمل في يوم من الأيام هم الفقر، فسلاحه التوكل على الله، ثم الإيمان بمشروعه المتمثل في تطوير قدراته وإمكاناته، وبقدر ما يسعى الإنسان إلى الاستثمار في هذا المشروع بقدر ما يرتفع وزنه وقيمته بين مجتمعه، وبقدر ما يستطيع الإنسان أن ينطلق في هذا المشروع في مراحل عمره المبكرة بقدر ما سيرتاح في حياته عندما يتقدم به العمر، فلنشمر فوراً سواعدنا ولنبدأ الآن مشروع العمر.
نشر بتاريخ 13-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة