المؤسسة المتعلمة
أبو مازن عوض
مشترك منذ 12-1-2012
مواضيع أبو مازن عوض
ردود أبو مازن عوض
أخبرني أحد الأصدقاء بأنه يحس بالملل في عمله، فهووبعد أن ينتهي من عمله، لا يجد شيئاً يعمله أبداً، وطبيعة وظيفته تفرض عليه أن يكونالعمل مزدحماً في أوقات معروفة من السنة، وبقيت السنة لا يوجد فيها عمل كثير، ويقولبأنه حاول استغلال وقته في بعض الأمور المفيدة، إلا أنه لا زال يعاني من المللنتيجة الفراغ الكبير في وقته.

قال لي: الحل يكمن في أن نعمل حتى ننتهي منأعمالنا ثم يؤذن لنا بالخروج ما دمنا قد أدينا ما علينا من واجبات، أما أوقاتالذروة فنحن متواجدون لإنهاء كل شيء يجب علينا إنهاؤه، أو أن نضع جدولاً للحضور،بحيث أحضر وبعض الموظفين معي في نصف الدوام، ويحضر البقية النصف الآخر المتبقي منالدوام، فقلت: هذه حلول جيدة، لكن صدقني العقول الإدارية قد لا تتقبل هذه الأفكارلمجرد أنها تخرج عن النظام التقليدي، الحضور باكراً وتوقيع دفتر الحضور والخروج فيآخر الوقت، أو استخدام البطاقات والأجهزة الحديثة لتسجيل الحضوروالغياب.

ويتبادر إلى ذهني سؤال مهم، ألا توجد طريقة نستغل فيها وقت الموظففيما ينفعه وينفع مؤسسته؟ بلا توجد الكثير من الطرق، لكن أركز على طريقة واحدة، وهيالتعليم والتدريب واستثمار خبرات الموظفين، المرء منا يتعلم ويكتسب خبرات كثيرة فيحياته وعمله، وكل مؤسسة تمتلك خبرات بشرية كثيرة، فإن استغلتها الاستغلال الجيد،فستصبح مؤسسة متعلمة تمتلك خبرات تجعل منها مؤسسة منتجة ومتطورة.

ولنأخذأبسط الأساليب للاستفادة من خبرات الموظفين، وهي الاقتراحات والأفكار الإبداعية،هناك الكثير من المؤسسات ترفع إداراتها شعارات مشجعة الموظف على الإبداع وابتكارالأفكار، وفي أرض الواقع صناديق الاقتراحات عشش فيها العنكبوت ولم يكترث إلى مافيها من اقتراحات، وبعض المؤسسات لا تضع في الأصل أي صناديق، بل توجه الموظفين إلىأن يتحدثوا بأفكارهم مباشرة مع المدراء، والمدراء بدورهم إن كانوا أصحاب فكر تقليديفبكل تأكيد سيجهضون هذه الأفكار قبل ولادتها.

أما الجانب المشرق من هذاالأسلوب، يكمن في بعض المؤسسات التي أقامت نظام اقتراحات متكامل، يكافئ فيه صاحبالاقتراح بعدة مكافئات، تتراوح ما بين الحصول على نسبة مئوية من خفض التكاليف إلىجوائز عينية ورمزية، ويشارك صاحب الاقتراح بنفسه في متابعة تنفيذ الاقتراح وتجريبهحتى يثبت نجاحه.

نقارن بين الصورتين، السلبية والإيجابية لنظام الاقتراحات،نجد أن الصورة السلبية تتكرر كثيراً، أما الصورة الإيجابية فلم أسمع أو أقرأ عنهاإلا في مؤسسات تعد على أصابع اليد الواحدة، وعلى بساطة هذه الأنظمة، إلا أنهاتستثمر خبرات الموظفين في تطوير العمل، وتؤكد للموظفين أن مؤسستهم تهتم بهموبأفكارهم وتقدرهم، وبذلك يرتفع الولاء لدى الموظف تجاه مؤسسته، وفوق ذلك توفرالمؤسسة على نفسها الكثير من التكاليف وتطور من أساليبها فلا تعاني من التجمد مادامت مستمرة في احترام أفكار موظفيها، ومع كل هذه الفوائد لا زالت الكثير منمؤسساتنا الحكومية والخاصة مترددة أو رافضة لتطبيق نظم الاقتراحات.

وتستطيعأي مؤسسة أن تستثمر خبرات موظفيها عبر عقد دورات تعليمية وجلسات لتبادل الخبرات بينالموظفين والمدراء، ولا تحتاج هذه الدورات إلى تكاليف كبيرة كتلك التي تعتمد علىمدربين من خارج المؤسسة، وكل ما على المؤسسة فعله هو إتاحة الوقت الكافي للموظفينللاتقاء والاجتماع لتبادل الخبرات والأفكار، وعلى الإدارة أن تكون منفتحة تجاهموظفيها، حتى يجتمع الموظفون مع المدراء فيأخذ المدراء صورة واقعية عن سير العمل،ويعلم الموظفون ما هو الواجب عليهم فعله وما هي أهداف المؤسسة.

وهناك وسائلكثيرة للاستفادة من خبرات الموظفين، ولا يتسع المجال لذكرها بالتفصيل، لكن كل هذهالوسائل تحتاج إلى أساس متين، يبنى على قطع المجاملات والمحسوبية من جذورها لكي تعمروح الصراحة والصدق في المؤسسة، وتحتاج المؤسسة إلى اتصال فعّال بين كل المستوياتالإدارية بحيث يفهم المدير الموظف ويستمع له بصدق، ويستطيع الموظف في نفس الوقتالحديث بحرية وبدون خوف على وظيفته أو من العقاب.

والأهم من ذلك كله، أنتكون المؤسسة متفتحة وغير متمسكة بنماذج قديمة أثبتت نجاحها، فالحاضر والمستقبلبحاجة إلى نماذج أخرى مبتكرة ومرنة، تتوافق مع متطلبات العمل الحالية والمستقبلية،ويعني ذلك التخلي عن كل نظام قديم لصالح أنظمة جديدة أكثر إنتاجية، إضافة إلى ذلكيجب أن تهتم المؤسسة بالإنسان لا الأنظمة والقوانين، فإن تعارضت القوانين مع مصلحةالموظفين أو المؤسسة يجب إلغاءها أو تبديلها إلى قوانين تخدم المؤسسةوموظفيها.
نشر بتاريخ 13-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة