هل تعرف كيف تدير دون أن تدير؟
صالح سليم
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع صالح سليم
ردود صالح سليم

هل تعرف كيف تدير دون أن تدير؟


http://www.ebdaa.ws/articles/Article_1908_14477833.jpg
بين المدير والساموراي
هل تعرف كيف تدير دون أن تدير؟

البروفيسور رينيه دومينغو
بلغ أشباله مبلغ الرجال أو كادوا، وبعد أن درّبهم وربّاهم يوماً بعد يوم وسنةً بعد سنة أراد تسوكاهارا بوكودين -أحد رجال الساموراي العظام في تاريخ اليابان- اختبار أولئك الشبّان وتقدير جدارتهم بحمل ذلك الشرف العظيم: السيف.

وضع بوكودين وسادةً فوق عمود الستارة على باب غرفته بحيث تقع الوسادة على الداخل إلى الغرفة لدى احتكاكه بالستارة. ثم بدأ باختبار ابنه الأكبر فاستدعاه إليه.

هبّ الشاب إلى أبيه وقبل دخوله الغرفة لاحظ الوسادة فمدّ يده وأمسكها ثم دخل وتكلّم مع أبيه ثمّ ركّزها في موضعها وهو يخرج.
وبعد ذلك استدعي الابن الأوسط.
أسرع الشاب ملبياً ودفع الستارة وهو داخل.. وفي اللحظة ذاتها شعر بوقوع الوسادة فمد يديه الاثنتين وأمسكها وأعادها إلى موضعها.
وعندما استدعي الابن الأصغر طار إلى أبيه كالإعصار.
دخل الغرفة ساحباً الستارة فوقعت الوسادة وكادت أن تلامس ظهره، لكنّه استل سيفه كالبرق وانتهت الوسادة أرباعاً قبل أن تصل الأرض!

انتهى الاختبار. وأعلن بوكودين حكمه:
- يستحق الابن الأكبر عن جدارة الانضمام إلى حملة سيف الساموراي الحقيقيّين، وقدّم له سيفاً.
- ينبغي على الابن الأوسط متابعة تدريبه بمزيد من الوعي والاجتهاد.
- والابن الأصغر! يا حسرةً على أيام التدريب والإرشاد.. إنّه عارٌ على تلك العائلة العريقة!

تبيّن تلك الحكاية أن حمل السيف كما ينبغي هو أمر أكبر بكثير من إجادة تقنيات ذلك الفن. وينطبق القول نفسه على فن الإدارة أو أيّ فن آخر.

تعرف كيف تدير!.. فهل تعرف كيف لا تدير؟
من المشاهد الأكثر شيوعاً في حياتنا مشهد ذلك المدير المشغول دائماً وأبداً، والهادر بالنشاط والحركة دائماً وأبداً، الذي يهجم على المشكلات هجوماً لا يعرف الضعف أو التردّد ولا يجدُ متعةً أكبر من متعة مواجهة المشكلات والتغلّب عليها. مثل الابن الأصغر لبوكودين الذي يملؤه بالسرور والفخر منظر الريش المتطاير من الوسادة التي مزّقها سيفه البتّار، فإنّ هذا المدير ينقصه الكثير، ولو استطاعت مهنية الإدارة الحقيقيّة أن تتبرّأ منه لفعلت.

لماذا؟ لأن فن الإدارة الحقيقيّ لا شأن له بحل المشكلات، إنّه فن منع المشكلات. لا شأن له بالخروج من المآزق، إنّه فن الاستبصار وعدم الوقوع في المآزق من خلال القيام الصحيح بوظائف التخطيط والتنظيم والسيطرة.

كلما ازداد عدد المشكلات التي يتورّط المدير في حلّها أو ينشغل بها كلّما ازداد البعد بينه وبين ممارسة الإدارة الحقيقيّة وازدادت الدلالة وضوحاً على اختلال أو انعدام قيامه بالوظائف الحقيقيّة المفترض قيامه بها من تخطيط وتنظيم وسيطرة. إنّ ما يقوم به في الواقع هو: زعزعةٌ للسيطرة أو تخلٍّ عنها.

إنّ المنتسب الحقيقيّ إلى مهنيّة الإدارة والجدير بلقب المدير –شأنه شأن الابن الأكبر لبوكودين- يتجنّب التورّط في المشكلات أصلاً ويتفادى استخدام ما يجيد من أدوات وأساليب الإدارة من خلال تفهّم المواقف والأحوال وإدارتها بدلاً من مواجهة وإدارة المشكلات.

إنّه يعتمد على تلك المزيّة الفريدة من معرفة واستباق العوامل المكوّنة للأوضاع الحاسمة، إنّه يصحّح الأوضاع ولا يصحّح المشكلات الناجمة عنها. بهذه المعرفة يضع المدير كل شخص وكل شيء في موضعه الصحيح في التوقيت الصحيح فلا يحتاج إلى أن يدير شيئاً.

مثل تحقيق أرقى صور النصر لدى الفرسان الحقيقيّين، النصر دون قتال وهزيمة العدو دون سلّ السيوف، فإنّ المدير الحقيقيّ يعرف كيف يدير دون أن يدير.

استخدام السيف ليس غاية. تعلّم كيف تحمل سيف الإدارة حملاً يغنيك عن استخدامه.

الابن الأصغر يهرب من معلّمه
انتبهوا! إنّه يختبئ في شركاتكم!
في كثير من الشركات نرى نماذج عديدة من المديرين الذين يعملون بأسلوب الابن الأصغر في قصّتنا. إنّهم يعتبرون منجزاتهم في حل المشكلات اليومية مآثر إدارية رفيعة يستحقون عليها الثناء والمكافأة، ويجهلون أو يتجاهلون أنّهم يستحقون اللوم أو العقاب على تقصيرهم في أداء المطلوب الحقيقيّ منهم. ومن صور هذه الممارسات الخلّبية:
- المدير المالي الذي ينفّذ يومياً تقريراً مبهجاً عن "تدفّق السيولة" مسلّطاً الأضواء على حسابات العملاء المتأخّرة المستحقة للشركة، ومتملّصاً من الخوض في معالجة الحسابات المتأخّرة المستحقة على الشركة.
- مدير الإنتاج الذي لا يبلغ قصارى اهتمامه وجهده سوى الجري اللاهث لمواكبة جداول تسليم الكمّيات اليومية.
- مدير شؤون الموظفين الذي لا يعرف شيئاً في حياته العملية غير مباريات التحدّي والمكاسرة التي لا تنتهي مع ممثّلي العمال والتي يعلّق عليها لافتة "إدارة علاقات عمّالية"
- مدير التسويق الذي تجده في الأيام الأخيرة لكل شهر يكافح كفاحاً مستميتاً لتحقيق حصص المبيعات المقررة بأي طريقة.

إنّ "المديرين" المشغولين شغلاً دائماً من النمط المذكور آنفاً لا يمارسون الإدارة. من أين لهم ممارسة الإدارة وأنت لا تكادُ تجدُ لديهم وقتاً للتخطيط والتنظيم والسيطرة وللتفكير؟
مثل الابن الأصغر إنّهم يستمتعون بتمزيق الوسائد التي تقع عليهم. وسوف يبقون عالقين إلى الأبد في هذه الدوّامة الجنونية من مجابهة المشكلات وتمزيقها إن لم يبدؤوا في ممارسة الإدارة حقاً ومنع وقوع المشكلات على رؤوسهم.

بالنار يمتحن الذهب، وبالموت يمتحن الفرسان
فكيف تمتحن نفسك وقادة شركتك؟
ومن قصص الساموراي المعبّرة أيضاً قصة ذاك المقاتل الذي كان يعمل في الحرس الشخصيّ لأحد شوجونات اليابان (الشوجن لقب قديم للقادة العسكريين الذين كان واحدهم يحكم بالفعل حكماً إقطاعياً منطقةً معينة تحت اسم الإمبراطور).

توجّه ذلك المقاتل إلى تاجيما نوكامي أحد كبار معلّمي المبارزة حتّى يتدرّب على يديه. وصل المقاتل، وعندما تفرّس المعلم في وجهه وعينيه سأله: أين تعلّمت فن حمل السيف؟

فوجيء المقاتل بالسؤال وقال للمعلم: ليس في أيّ مكان! وأنا لستُ بخبير في فن حمل السيف. لقد أتيت إليك كي تعلّمني ذلك!

أصرّ تاجيما على قوله إنّ ذلك التلميذ يعرف كيف يحمل السيف، بل إنّه محترف حقيقيّ، وأصرّ المقاتل على أنّه لا يعرف! وأخيراً سأله تاجيما:
- دعنا من حمل السيف يا بنيّ! ألست تتقن شيئاً آخر؟
بعد لحظات من التفكير قال المقاتل: منذ صغري وبداية سلوكي مسلك الساموراي تعلّمت أن لا أخشى الموت في أيّ موقف. لم تعد فكرة الموت ترهبني أبداً. فهل تقصد بسؤالك تجاوز الخوف من الموت يا معلّم؟
- تماماً هذا ما أقصده! وهل جعلني معلّم سيف إلاّ تغلّبي على الخوف من الموت؟

إن الاختبار النهائي للبراعة في فن حمل السيف هو اختبار الخوف من الموت، ومن بين تلاميذي الكثيرين البارعين حقاً في استخدام السيف لم تفلح إلاّ قلة نادرةٌ في تجاوز هذا الاختبار والتغلّب على الخوف من الموت. هكذا قال تاجيما وودّع التلميذ الذي لم يكن في حاجة إلى تدريبه.

هل يغرق قادتك قبل سفينتهم أم بعدها؟
في الواقع لا يموت المديرون في سبيل شركاتهم كما يموت الساموراي في سبيل سيّده الشوجن وإنما تأتيهم آجالهم وهم وراء مكاتبهم. ومع ذلك يبقى نجاح الساموراي في مواجهة الموت في فن حمل السيف يوازي ما نراه في فن الإدارة من تقبّل المدير المسؤولية عن قراراته وتحمّله كل تبعاتها مهما كانت.

إن الاختبار النهائيّ الحاسم لاحترافية المدير هو ليس كم لديه من تقنيات وخبرة وطاقة، وإنّما هو تصميمه المطلق على الوقوف خلف مبادئه وقراراته في الشركة، والوصول في ذلك في كثير من الأحيان إلى حدّ الإقدام على تضحيات لا تقل عن الإقدام على الموت: التضحية بمستقبله وبوقت عائلته.

هل يقود شركتك مديرون أم لاعبو خفّة؟
لسوء الحظ، فإن كثيراً ممن يحملون لقب مدير، ويقبضون أجر مدير لا تتكشّف مظاهرهم في النهاية إلاّ عن مخضرمين في فنون الخفّة والتملّص من المآزق عندما تقع المشكلات ويعلو الماء في السفينة المكافحة بين الأمواج.

لا يتقن هؤلاء المديرون الاسميّون إلاّ حيلةً واحدة يتعلّمونها من خلال التكرار: حيلة التملّص من المسؤولية. وفي تطبيق حركة الخفة المشهورة هذه تلاحظ طريقتان:
- الطريقة الأولى هي تواري "المدير" عن الأنظار بسبب مشكلةٍ وقعت بسببه. ويُلجأ إلى هذه الطريقة عندما يتوفّر لدى اللاعب وقتٌ كافٍ للاختباء وصرف الأنظار إلى أحدٍ آخر.
- والطريقة الثانية هي المسارعة بتوجيه الاتهام إلى أيّ أحد وتلفيق ما يحمّله المسؤولية، ويلجأ إليها اللاعب عندما ترفع الستائر عن الحقائق فجأةً ولا يتوفر لديه وقتٌ كافٍ لتحضير مناورة الاختباء.

كثيرٌ من المديرين لا تجد لديهم مهارةً سوى مهارة النجاة بجلودهم من المآزق التي تنجم في معظم الأحيان عن تصرّفاتهم وقراراتهم. ولسوء الحظ فإن هذه النوعية من المديرين الاسميين تزداد يوماً بعد يوم.

وإذاً: في المرة القادمة التي تفكّر فيها في استخدام مدير لشركتك انظر في عينيه وليس في شفتيه. قد يكون الواقف أمامك فنّان خفة وهروب من الصناديق المقفلة والسلاسل المحكمة. مهلاً! قبل أن تنظر في عينيه انظر في نفسك وفي شركتك: هل تدير أنت شركةً حقيقيةً أم سيركاً يجتذب البهلوانات ويشجّع لاعبي الخفّة؟


نشر بتاريخ 8-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة