متنمّرٌ يخرّب في مؤسّستك؟
صالح سليم
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع صالح سليم
ردود صالح سليم
متنمّرٌ يخرّب في مؤسّستك؟



متنمّرٌ يخرّب في مؤسّستك؟ http://www.ebdaa.ws/articles/Article_1955_97560397.gif
متنمّرٌ يخرّب في مؤسّستك؟
توقّف عن إمداده بأسباب الوجود!

تشيريل دولان
خبيرة تدريب قياديّ، وأخصائية بأمراض النطق والتواصل
قبل بضعة أشهر، استأثر باهتمام وسائل الإعلام في أمريكا وفي العالم مأساة انتحار الطالبة فيبي برينس ابنة الخمسة عشر عاماً نتيجة ما تعرّضت له من "تنمّر" وإيذاء لا يرحم من قبل أبناء جيلها المراهقين في المدرسة.

وجّه الاتهام إلى تسعة طلّاب حتّى الآن، ولكن باستثناء ملاحقة وسائل الإعلام فإنّ المتنمّرين المتسبّبين بمقتل الفتاة لم يتحمّلوا شيئاً يذكر من تبعات فعلتهم.

لم تقع الحادثة بين يومٍ وليلة، بل كان يشهد على ما يرتكبُ في حق هذه الفتاة كثيرٌ من زملائها ومن المعلّمين، ولكن لم يتحرّك لإبلاغ مسؤولي المدرسة عن تلك الممارسات المدمّرة إلاّ أفرادٌ قلائل جداً كان من بينهم والدة الضحيّة. ولم يحرّك أحدٌ ساكناً إلى أن فات أوان القيام بأيّ شيء.

وفي حالة مشابهة عام 2008، أقدمت على الانتحار جودي زيبل البالغة واحداً وثلاثين عاماً بعد شهور من معاناة التنمّر في مكان العمل من قبل زملائها والمشرف عليها. وفي الفترة القريبة الماضية من هذا العام 2010 كان المجلس التشريعي في ولاية ويسكنسن يتداول قصتها وقصص ضحايا آخرين في معرض مناقشة مشروع قانون "مكان العمل الصحّي"

يا فرعون من فرعنك؟!
في كتابهما "المتنمّرون في مكان العمل" يعرض الكاتبان غاري وروث نيمي كيف أنّ المتنمّرين يتمدّدون وينشطون في ظروف الكتمان، والإحساس الساحق بالعار، وصمت الآخرين الذين يشهدون ما يجري.

وقد بيّنت الإحصائية التي أجراها المؤلّفان بمناسبة يوم العمّال عام 2008 (والتي كان أكثر من 95% من المشاركين الأربعمئة فيها قد تعرّضوا للتنمّر) أنّ أكثر من 95% من العاملين في المستويات المختلفة إلى جانب ضحايا التنمّر –سواءٌ أكانوا زملاء لهم أو مديرين- كانوا يعرفون بما يتعرّض له زميلهم، وكانوا حاضرين في حادثةٍ واحدةٍ على الأقل من حوادث سوء المعاملة التي يتعرّض لها.

وبالرغم من ذلك فإنّ أكثر من نصف أصحاب الأعمال لم يقدموا على أيّ تصرّفٍ من أجل منع الإساءات التي أبلغوا بها. وفي الواقع شهد 71% من الحالات قيامَ أصحاب الأعمال بصبّ غضبهم على الأشخاص الذين مورس التنمّر عليهم!

وفي تفسير حالة "شلل الشهود" والتزام الصمت المطلق تجاه ممارسات التنمّر هذه يورد الكاتبان أسباباً مختلفة منها: نزعة التهرّب من مواجهة المخاطر المستشرية لدى البشر، والتفكير الجمعي "أو القطيعي"، ومناورات التضليل النفسانية مثل المنطقة "أو التبرير"، وإلقاء اللوم على الضحيّة.

يكبّد المتنمّرون المؤسسات تكاليف فادحة، من ناحية الدولارات المهدورة، والإنتاجية المتردّية، وتراجع مستويات عافية العاملين والاحتفاظ بهم.

ويشير البحث إشارةً قوية إلى أنّ الطريقة الوحيدة التي تجعل المؤسّسات –وخصوصاً في البيئات التنافسيّة التي يُكافأ فيها التنمّر والاستعلاء!- تأخذ مسألة التنمّر على محمل الجدّ هي أن يشعروا بتأثيرها على حصيلتهم الماليّة. وفي أمريكا ستكون التكلفة أكبر بكثير بعد إجازة وسريان قانون "مكان العمل الصحّي" المطروح في سبعة عشر ولاية.

لا يمكن للتنمّر أن يزدهر في بيئةٍ لا تدعمه. وهكذا يصبح تدخّل الإدارة سلاحاً مؤثّراً في تقليص التنمّر في مكان العمل.

وإنّه لوضع معقّد حقّاً: معظمُ ضحايا التنمّر لا يمكنهم الانتصار وإنهاء الإساءة وحدهم، ومعظم المتنمّرين لن يتوقّفوا عمّا يفعلونه من تلقاء أنفسهم، والتدخّل في معظم الأحيان يحمّل المتدخّلين تبعاتٍ ثقيلة. ولكن بالرغم من كل ذلك هناك مواقفُ معينة تستحقّ التدخّل وتحمّل المخاطرة شخصياً ومهنياً.

وفي شأن التدخّل لردع المتنمّرين وإصلاح الأوضاع فإنني أشارككم هنا بقصّة واقعيّة مفيدة رواها لي أحد عملائي.

في مواجهة فرعون المكتب:
يعمل جورج مدير فرع في شركة تكنولوجيّة. وكان جورج وفريقه كلّه يلتقون مع إدارة الشركة الرئيسة في اجتماع المراجعة السنويّ. كان الإداريّون القادة في مركز الشركة الرئيس صلبين أشدّاء في شؤون العمل ولكنّهم كانوا كذلك ملتزمين بآداب السلوك المهني فلا يقترفون إساءاتٍ شخصيّة.

من بين مديريّ المركز الرئيسيّ كان دان –أعلاهم مرتبةً وأقدمهم- معروفاً بالاستعلاء والتنمّر. وما إن دخل بوب –أحد مديري الفروع الذي يعاني من مشاكل مهنية كثيرة- حتّى هاجمه دان بالإساءة والتجريح على مرأى ومسمع كل زملائه وموظّفيه.

كان مسلكاً عدوانياً مثيراً للسخط والاشمئزاز، ورأى جورج كيف أدّى ذلك الإذلال العلنيّ إلى استفزاز الفريق كلّه. كان صاحبنا أمام مشكلة صعبة،كيف يمكنه أن:
- يخمد الطاقة المدمّرة التي تشحنُ جوّ الاجتماع وتملأ نفوس الناس بالمرارة والمذلّة،
- ويتجنّب التحوّل بنفسه إلى موقع الضحيّة التالية،
- وأن يحافظ على وظيفته؟

مولاي الفرعون: أنت تسيء لنا، وتسيء لمملكتك، وأنا لا يمكن أن أرضى بذلك.
طلب جورج تعليق الاجتماع لاستراحة قصيرة. وبعد أن مشى مع المدير دان إلى خارج قاعة الاجتماع أفهمه على انفراد بأنّ أسلوبه كان غير ملائم ومدمّراً ليس للمدير الفرعيّ بوب وحده بل لفريق المديرين الفرعيّين كلّه.

كما هو متوقّع، تشبّث دان -المدير الأعلى المستاء من تصحيح تصرّفه من قبل مديرٍ تابعٍ له- تشبّث بسلوكه ودافع عنه. ولكنّ جورج لم يتراجع عن موقفه، وتابع ما بدأ به فبيّن لدان أنّ ما كان يقوم به محرجٌ ومسيءٌ له بالذات (أي لدان) ولكل فريق الإدارة الرئيسة، وكان يضرّ أيضاً بفرصِ مساهمةٍ قيّمة تحتاجها الشركة ولا يستبعد أبداً ملاحظةُ آثار ذلك في نتائج الربع المالي القادم.. وعندئذٍ انكمشت مخالب المتنمّر وتراجع دان.

تغيّر إيقاع الاجتماع تغيّراً جذرياً وأصبح مثمراً، وفي الأسابيع التالية أتاح دان لجورج القيام بدور أكبر في إدارة بوب. نتائج الربع الماليّ التالي للفريق كلّه كانت رائعة، واجتماع المراجعة السنويّ التالي كانَ أكثر إيجابيّة.

كيف حدث ذلك؟ كيف واجه جورج التنمّر بنجاح دون أن يؤذى أحد؟

كيف تقنع الفرعون بالنزول عن عرش الإساءة للناس؟
1-
قامَ جورج بتقييم آثار التنمّر بسرعة من منظور مصلحة المؤسسة كلّها.
في تلك اللحظة، قبل أن يطلب تعليق الاجتماع، كان يخشى أنّه لو أساء معالجة الموقف فسيخسر احترام فريقه، وربما وظيفته أيضاً. ولكنّه حسم الأمر وقال لنفسه "نعم قد أخسر وظيفتي، وإن حدث ذلك فسأجد غيرها. وهذه الإساءة للناس يجب أن يتصدّى لها أحد"

2- اختار الوقوف وراء مبادئه حتّى النهاية
يقول جورج: لقد فكّرتُ في أنّه يجبُ على المرء في بعض الأحيان القيامُ بما يشرّفه ويجعله يرضى عن نفسه وعن وجوده عندما يسترجع شريط حياته، وهذا لعمركَ أهمّ من القلق والخوف من المخاطرة وتحمّل العواقب. لقد أدركتُ أنّني لن أقدر على التحديق في عيون من أديرهم ومن أعمل معهم إن لم أفتح فمي وأقول الكلمة التي ينبغي أن تقال حتّى لو لم تغيّر كلمتي أيّ شيء.

3- واجه بذرة الشرّ في مهدها، بادر إلى التصرّف فوراً.
التنمّر نبتةٌ خبيثة. كلّما استمرّت دون اعتراض كلّما امتدّت وتجذّرت وتعسّر التخلّص منها.

4- ركّز على قمع الإساءة وليس على قمع المسيء
تحدّث جورج مع مديره على انفراد. البشر عموماً والمتنمّرون خصوصاً لا يفضّلون الإذعان للحقّ أمام المشاهدين. بعضهم يراها إهانة وسيستخدم كلّ شراسته في صدّها.

5- خاطب المتنمّر من منطلق مصالحه
لم تكن مشاعر بوب ولا مشاعر الفريق كلّه تعني أيّ شيءٍ لدى المدير المتنمّر دان. لكن عندما تناول جورج المشكلة في إطار تشويه صورة الإدارة العليا والإضرار بأداء المؤسّسة أصبح لدى دان حوافز ومبرّراتٌ كافية لتغيير مسلكه.

إنّك تقف على مفترقٍ شائك محيّر وفي زمنٍ صعب. ومهما كان الحال، تذكّر عندما تحدّثك نفسك بالتفرّج على ما يفعله المتنمّرون ولزوم الصمت وإيثار السلامة، تذكّر أنّك تتركُ روحاً بشرية مستضعفًةً تواجه الهلاك وحدها، وتترك روحاً شرّيرةً أخرى تتغذّى على حطام البشر وتتهيّء لتدمير حياة مزيدٍ من الأفراد والأسر والمجتمعات.



علم الابداع
نشر بتاريخ 8-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة