السياسات المكتبية.. كيف تنهي سيطرتها على شركتك؟
صالح سليم
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع صالح سليم
ردود صالح سليم
السياسات المكتبية.. كيف تنهي سيطرتها على شركتك؟


http://www.ebdaa.ws/articles/Article_2098_1252659.gif
السياسات المكتبية

كيف تنهي سيطرتها على شركتك؟

بن هوروفيتز
مستثمر ومموّل ورائد عالمي متخصّص في قطاع التكنولوجيا المتقدّمة
مؤسّس ومدير مشارك في صندوق الخدمات الاستثمارية Andreessen Horowitz
خلال السنين الكثيرة التي مرّت عليّ في دنيا الأعمال والمؤسسات لم أسمع أحداً يجاهر بتفضيل "السياسات المكتبية corporate politics"، ومن ناحية أخرى قابلت كثيرين ممن يشتكونها ويشتمونها حتّى في مؤسسات هم يديرونها. وإذاً: إن لم يكن أحدٌ يحبّ السياسات المكتبية فمن أين تنبع هذه السياسات التي تحيط بنا في كلّ مكان؟

في معظم الأحوال تقريباً يبدأ السلوك السياسيّ من عند الرئيس التنفيذي. والآن سادتي الرؤساء قد يقول لي أحدكم: أنا أكره السياسات المكتبية ، وليس من شيمي هذا السلوك، ورغم أنّ منظمتي غارقة غرقاً بالسياسات، فأنا بالتأكيد لست السبب في ذلك".

لسوء الحظ سيدي الرئيس، لا داعي لأن تكون سياسياً حتى تكون سبباً في إيجاد مناخٍ سياسيّ في منظّمتك. في الحقيقة، كثيراً ما يكون الرئيس الأبعد عن السلوكيات السياسية هو القائم على رأس المنظّمة الأكثر انغماساً في السياسات. إنّ مثل هذا الرئيس غير السياسي كثيراً ما يقوم عن غير قصد بتشجيع سلوك سياسيٍ بامتياز.

وماذا نعني بالسياسات المكتبية corporate politics؟
أعني بها تسيير الناس أمور تقدّمهم الوظيفيّ أو تمرير أجنداتهم عبر وسائل أخرى غير الجدارة والمساهمة في تقدّم المنظّمة. قد يكون هناك أنواعٌ أخرى من السياسات، ولكنّ ما أشرنا إليه يبدو أنّه هو ما يقصده الناس عندما يشتكون ويتذمّرون.

كيف تولد البيئة السياسية ومن يغذّيها؟
يوجدُ الرئيس التنفيذي البيئة السياسية من خلال تشجيعه أو حتّى مكافأته السلوك السياسي، من غير قصد في معظم الأحيان. ولأجل مثال بسيطٍ جداً، دعونا ننظر في التعويض المالي الذي يتقاضاه التنفيذيون في دائرة الإدارة العليا. بصفتك رئيساً تنفيذياً سيأتي إليك كبار الموظّفين من وقتٍ لآخر يطلبون زيادةً في التعويض. قد يُشيرون إلى أنّك تدفع لهم أقلّ بكثير من قيمتهم في السوق، وقد يقولون إنّ بين أيديهم عرضاً منافساً.

بإزاء هذه المجابهة، إن كانت المطالبة معقولةً فإنّك تحقّق في الأمر، وربما تعطي الموظّف زيادةً ما. ورغم أنّ هذا قد يبدو تصرّفاً بريئاً، ولكنّك يا سيدي قد قدّمت الآن تحفيزاً قوياً للسلوك السياسي.

بكلماتٍ أدق: لقد كافأت سلوكاً لا علاقة له بدفع الشركة إلى الأمام. أجل، سيكسب الموظف زيادةً لأنه طلبها وليس لأنّك تقدّمها له أتوماتيكياً مكافأةً له على أداءٍ متميّز.

وما السوء في ذلك؟ دعني إذاً أبين لك طرق الإساءة في ذلك:
1- على الفور، ستجدُ العامل الآخر الطموح في فريق إدارتك يغلي ويفور طلباً لزيادة مماثلة. لاحظ هنا أنه لا هذه الاندفاعة ولا الاندفاعة الأولى التي سبّبتها لها علاقةٌ بالأداء الفعليّ. والآن، صار عليك إنفاق الوقت في التعامل مع مسائل سياسية بدلاً من مسائل الأداء الفعليّ.

نقطةٌ أخرى مهمّة في هذا الجانب هي: إن كنت رئيساً تنفيذياً لديك أعضاءُ إدارة ذوو كفاءة فلن تستطيع منحهم جميعاً زياداتٍ خارجةً عن دورة العمل المخطّطة. وهكذا تصبح زيادات التنفيذيين الكبار في مؤسستك مدفوعةً على مبدأ (من يصل أبكر ينل أكثر)

2- أعضاء فريقك الأقلّ اندفاعاً إلى المزاحمة والمصارعة (لكن الأكثر كفاءةً ربما) سوف يحرمون من الزيادات الخارجة عن المخطط لا لشيء إلاّ لأنّهم ببساطة: "غير سياسيين"

3- الدرس العمليّ الذي يتلقّاه طاقم إدارتك والشركة كلّها هو: العجلة الصرّارة تنالُ الشحم والزيت، الموظّف السياسيّ ينال الزيادة. فاستعدّ إذاً لتحوّل مكتبك إلى موقفٍ للعجلات الصرّارة.

مثالٌ آخر:
والآن دعونا ننتقل إلى مثال أكثر تعقيداً. أنت رئيس تنفيذي CEO يأتي إليك معاونك للشؤون المالية CFO ليقول لك إنّه يرغب في مواصلة تقدّمه كمدير. إنّه يرغب في التحوّل إلى موقع مدير العمليّات COO ويريد أن يعرف منك ما المهارات التي ينبغي عليه إثباتها حتى يظفر بذلك الموقع في شركتك.

لأنّك قائد إيجابيّ ستميل إلى تشجيع سعيه لتحقيق حلمه. تخبره أنه سيكون مدير عمليات ناجحاً في يوم من الأيام، وأنّ عليه العمل لتطوير كذا وكذا من المهارات. إضافةً إلى ذلك تخبره بأنه ينبغي أن يكون قائداً قوياً بما يكفي لأن يرغب المديرون الآخرون في الشركة في العمل تحت سلطته.

بعد أسبوع، يأتيك واحدٌ آخر من التنفيذيين العاملين معك مذعوراً. ما القصة؟ لقد سأله ذلك المدير المالي إن كان يتقبّل العمل تحت سلطته. وأخبره بأنّك تهيّئه ليكون مدير العمليات. باعتقادك هل حدث هذا صدفةً أو ببساطة؟ لا يا عزيزي، بل هي كرة الثلج التي أطلقتها تتدحرج وتتضخّم وتخرّب فصدّها الآن إن استطعت!

إن كنت تقصد فالسياسات المكتبية مصيبة وإن كنت لا تقصد فالمصيبة أعظم.

كيف تكبح "السياسات المكتبية"
- اعرف مع من تتعامل: محترفين أم مبتدئين
يبدو الحدّ من السياسات المكتبية أمراً غير طبيعيّ بالمرة. إنّه يناقض ممارسات وخصال الإدارة الممتازة مثل الانفتاح وسعة الأفق، وتشجيع تقدّم الموظّفين. لكن مهلاً يا عزيزي! هل عرفت مع من تتعامل قبل أن تقرّر صواب مبدأ التعامل أو خطأه؟

يمكن تشبيه الفرق بين التعامل مع التنفيذيين في مستوى الإدارة العليا وبين التعامل مع الموظفين الصغار بالفرق بين منازلة شخص عادي لا تدريب لديه وبين الوقوف في حلبة الملاكمة في مواجهة رياضيّ محترف.

إن كنت في اشتباكٍ مع شخصٍ عادي فلا مشكلة كبيرةً في القيام بأشياء عادية قياماً طبيعياً. مثلاً: إن أردت أن تخطو إلى الوراء يمكنك أن ترفع قدمك الأمامية عن الأرض أوّلاً ولن يحدث شيءٌ خطير.

لكن! لو فعلتَ هذا مقابل ملاكمٍ محترف فسوف تجدُ نفسك ملقىً على الأرض فوراً. يتدرّب الملاكمون المحترفون سنةً بعد سنة على استغلال الأخطاء الدقيقة في تكتيك الخصوم، ورفعُ قدمك الأمامية عن الأرض حتّى تخطو إلى الوراء سيخلّ بتوازنك لجزءٍ من الثانية، وهذا الجزء من الثانية هو كل ما يحتاجه خصمك المحترف لتسديد ضربة تحرجك أو تهزمك نهائياً.

على المنوال ذاته، إن كنت تدير موظفاً صغيراً وطلب رأيك ونصحك في تطوير مسيرته المهنية فلا بأس في قول ما يرد بخاطرك تلقائياً ولن يكون لذلك أية مضاعفات غالباً. لكن! كما رأينا في حلبة الملاكمة تختلف الأمور عندما تتعامل مع التنفيذيين الطموحين المحنّكين. حتّى تتجنّب ضربة سياساتٍ مكتبية يجب أن تتقن كل تفصيلٍ صغيرٍ في أسلوب تحرّكك إتقاناً مدروساً.

الأسلوب المجرّب في مواجهة السياسيّ المدرّب:
من خلال مسيرتي كرئيسٍ تنفيذيّ، وجدتُ ثلاث خطوات رئيسة لها فائدةٌ عظيمةٌ في الحدّ من السياسات المكتبية. وهذه الخطوات هي:

1- استأجر من لديهم نوع الطموح الصحيح:
الأمثلة التي ذكرتها آنفاً قد تضمّ أشخاصاً طموحين ولكنهّم ليسوا بالضرورة سياسيين عن سبق إصرارٍ وتصميم، وليس كل البشر كذلك. وبناءً على هذا فإنّ الطريقة المؤكّدة لتحويل شركتك إلى غابةٍ سياسية توازي مجلس الشيوخ الأمريكيّ هي أن تستأجر أشخاصاً لديهم النوع الخاطئ من الطموحات.

حسب تعريف آندي غروف (رئيس إنتل التنفيذيّ) النوع الصحيح من الطموح هو الطموح لنجاح الشركة وفي الوقت ذاته يأتي نجاح التنفيذيَ نتيجةً متفرّعةً عن نجاح الشركة. وأمّا النوع الخاطئ من الطموح فهو الطموح إلى نجاح التنفيذيَ بغضّ النظر عن النتيجة التي تصل إليها الشركة.

2- ارسم عملياتٍ محكمةً لمعالجة المسائل السياسية وإياك أن تخرج عنها:
هناك فعالياتٌ معينة تجتذب السلوك السياسيّ، أبرزها:
أ- تقييم الأداء، والتعويض المالي
ب- التصميم التنظيمي، ونطاقات المسؤولية والنفوذ
ج - الترقيات

عزيزي القارئ: في الجزء التالي من هذه المقالة نتفحّص كلّ موقف من المواقف الثلاثة السابقة ونرى معاً أمثلةً على بناء وتنفيذ عمليةً process تضمن حماية الشركة من السلوكيات السيئة والبذور والثمار السامّة الناجمة عن تفاعلات سياسية.

ثمّ نتابع مع العنصر الثالث في "الأسلوب المجرّب في مواجهة السياسيّ المدرّب" فحتى ذلك الحين دمتم مفلحين في معرفة "السياسات المكتبية" ومواجهتها دون الانخراط فيها والتعرّض لأضرارها.




نشر بتاريخ 8-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة