متى زارت شركتك الطبيب آخر مرة؟
صالح سليم
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع صالح سليم
ردود صالح سليم


متى زارت شركتك الطبيب آخر مرة؟

قد تكون عاجزةً عن النمو والبقاء وأنت لا تدري!
دينيس هوب


مثلما تحتاج فحصاً دورياً فتذهب إلى الطبيب كل سنة (رغم أنك لا تشعر بأي مشكلة) ينبغي أن تخضع شركتك لفحصٍ خارجي موضوعيّ كل سنة. لأنّ أفضل وقت لتصحيح الأخطاء وسد الثغرات هو عندما تكون في مهدها، وليس بعد أن تصبح قرحةً نازفةً تستهلك موارد الشركة.
في كثيرٍ من الأحيان يكون أهل الشركة قريبين جداً من هذه الهفوات الصغيرة إلى درجة عدم ملاحظتها، بينما الملاحظ والمستشار الخارجي غير المعتاد على الأجواء وغير المنحاز سيتمكّن من تقديم رأي موضوعي غير متأثر بالمشاعر الخاصة. أصغِ إلى هؤلاء المستشارين الخارجيين جيداً: فهؤلاء قد يثيرون (إلى جانب بعض المسائل غير المهمة) مسائل مهمةً جداً تقرر مستقبل شركتك أو وجودها. ولقد رأيت شركات كثيرة تدفع أثماناً باهظة لأنّها انتظرت أكثر مما ينبغي لإجراء هذا الفحص، وكان بعضها قد وصل إلى درجة العجز عن القيام بإجراءات المعالجة.
محاولة تصحيح خلل صغير معمّر ترك ليتشعّب في الظلام حتّى يصبح أزمةً كارثيّة تكبّد في النهاية أضعافاً مضاعفة من الوقت والتكاليف.

الاستكانة بعد الانتصار أوّل أعراض الانحدار!
كثير من الشركات تغدو مطمئنةً مستكينة أو متخشّبة بعد تكدّس سجّلها بسنواتٍ من النجاح. وهذا ما ينبغي أن تحذروا الوقوع فيه.
إن المنافسة باتت شديدة الاقتراب في ملاحقتها لكم، وبات المنافسون أقوى وأذكى وأكثر ابتكاراً ووفرةً في الموارد. أصبحت الاستكانة منزلقاً خطراً يقود كثيراً من الأعمال إلى نهاياتها الوخيمة، واسأل المصرفي الذي تتعامل معه، أو الاستشاريّ القانونيّ، أو المحاسب إن شئت.
في السبعينات أو الثمانينات ربما كان بإمكانك النجاة وأنت مستكينٌ مطمئنٌ فوق نجاحاتك السابقة وأوضاعك الحالية المقبولة. في تلك الأيام الماضية لو كانت شركتك تسجل الدرجة 3 أو 4 على مقياس يتدرج من 1 إلى 10 لكان ذلك كافياً لجعلها تظهر بين المتنافسين وتبلي في السوق بلاءً حسناً. لكن عندما أصبح اللاعبون الجدد اليوم يدخلون السوق بدرجات 6 و7 و8 فإنّ بقاءك عند الدرجة 3 أو 4 التي كانت كافية فيما مضى والتشبّث بما كنت عليه دون أي تغيير حقيقيّ لا يعني سوى التورّط في المتاعب بالفعل.
كان بودّي أن أسرد لكم في هذه المقالة تجارب واقعية ممن أعرف تاريخ وقوعهم في فخّ الاستكانة المهلك. لكن هناك جانبٌ بشريٌ واضحٌ في الموضوع يمنع ذلك. وأنا أعرف أن معظم هؤلاء سيقولون (وهم ينظرون إلى الأمر بعد أن وقع ما وقع) إنّهم يتمنون لو أنّهم طلبوا المعونة والمشورة الصحيحة في الوقت الملائم قبل فوات الأوان.

ما خاب من استشار واستعان.. باكراً!
حضرت في السنة الماضية اجتماعاً حيث ثلاثةٌ من قادة الشركات الذين تحطمت شركاتهم تحلّوا بالشجاعة وتقبلوا الحديث بصراحةٍ عن أسباب فشلهم. وكان المشترك بينهم أنهم لم يسعوا في طلب المساعدة العملياتية الخارجية التي يحتاجونها سعياً باكراً كما ينبغي. كانوا جميعاً يعتبرون ذلك نفقةً لا داعي لتحملها في ذلك الوقت، ليتبين لهم فيما بعدُ أنّ ذلك الامتناع عن القرار بداعي التوفير والحكمة كلّفهم خسارة أعمالهم برمّتها.
يساورنا جميعاً نحن البشر هذا الشعور بالتمكن والحصانة من الزلل والتعثر. لا يمكن أن يحدث لنا هذا! ربما يحدث للمنافسين، أو لكل الناس الذين نقرأ عنهم في الصحف ومنشورات الشركات المتخصصة، وأمّا نحن فمستحيل.. إننا نعرف ماذا نصنع وأين نضع أقدامنا!
جميلةٌ هذه الثقة ورائعٌ هذا الأمل.. ولكنّها ليست إلاّ ظنوناً غير صحيحة!
فكثيراً ما يسوّف مالكو الشركات مسألة الحاجة إلى الاستشارة الخارجية ويتهرّبون من تكلفتها. ويؤدّي هذا التسويف إلى تأخرٍ في القرار يكبّد الشركة على المدى الطويل تكلفةً أكبر بكثير من تكلفة القرار بالموافقة على المضي في الأمر في وقته.

هناك سؤالٌ كثيراً ما يطرح عليّ: كيف يمكن لمن يأتي من خارج الشركة ولا يكاد يعرف عن عملها شيئاً أن يرشد ويفيد صاحب الشركة ومشغّلها ومؤسسها؟
بسهولة! إنّ فهم العمل السليم عنصرٌ مشترك تجده في كل الأعمال الناجحة. والبصيرة التي تقود المرء إلى الاستعانة بمستشار خارجيّ هي من هذا الفهم السليم المتفق عليه. إنّ هذه الاستعانة قرارٌ اقتصاديّ مدروس صحيح. إنّ الاستشاري الجيّد الذي خاض (وحلّ) مشكلاتٍ سبّبها أو تورّط فيها آخرون يمكن أن يقدّم إضافةً مهمةً جداً لفريق صنع القرار. لديه أو لديها الخبرة المؤهلة لمعرفة أين ينبغي توجيه النظر لاكتشاف المشكلة الكامنة، وبذلك فإنه يوفر على الشركة المشكلات والنفقات المحتمل ظهورها على المدى البعيد خلال فترة قصيرة وبتكلفة صغيرة نسبياً.

لا تموت الشركات بأمراض قاتلة أو حوادث مفاجئة
بل تموت بغفلة مزمنة عن الواقع وإنكار للتحديات
هناك أسباب كثيرة وراء تصاعد مشكلات وانهيارات الشركات، ولكنني أعتقد أن السبب الأكبر هو الرفض أو العجز عن التكيّف مع الاقتصاد المتغيّر بسرعة. وتبين الدراسات أنّ المزيد من الشركات يفشل أو يتراجع بسبب ضعف الانتباه إلى علامات الإنذار المبكرة أكثر من أيّ سببٍ آخر.ولا بدّ من تتوفر لديك الإرادة والمقدرة على رؤية مؤشرات الإنذار، وتقبّل واقعيتها، والتعامل معها تعاملاً فورياً.

إن المشكلة الكبرى التي أشاهدها في ميادين العمل هي عدم النظر إلى علامات الإنذار كعلامات "واقعية"، واعتبارها مشكلات آنية سرعان ما تنتهي في أسابيع قليلة. وكذلك النظر إليها كنتائج مرتبطة بعوامل "خارجية أو لا إمكانية للسيطرة عليها" فلا يمكن عمل شيءٍ إزاءها. وفي الوقت ذاته يكون المنافسون مقبلين على التعامل مع هذه المؤشرات والظواهر ذاتها تعاملاً مبادراً فعالاً لأنّهم يدركون أنّها جزءً واقعيٌ من البيئة المحيطة بهم التي ما يزال واجباً عليهم العمل فيها.
هل تعاني شركاتكم من هذه الأعراض!
من الظواهر الشائعة التي شاهدتها في مشاريع التحول المفصلية التي استشرت فيها:
الافتقار إلى قيادة محددة، وتوجّه واضح، وانتشار حالة موت الحماسة والانعزال عن هموم الشركة بين الموظفين التشغيليين وكذلك في صفوف الإدارة الوسطى. ويرجع هذا عموماً إلى ضعف التواصل المتدفق من القمة إلى القاعدة.
تشعر الإدارة الوسطى بضغط المسؤولية والمحاسبة دون توفر ما يوازيها من صلاحيات وموارد، والموظفون المتحمّسون يتحوّلون إلى موظفي "من التاسعة إلى الخامسة" وموظفي "هذه ليست شركتي"
الإدارة غير الملائمة لدورها أو المتجمدة في مواضعها تجمداً قاضياً على الكفاءة حسب "مبدأ بيتر" تستمرّ في مكانها وعلى ما هي عليه، بينما تبذل الجهود لتوفير الفلوس في مصاريف الورق والأقلام وغيرها من الشؤون التافهة.
ولعلّ المشكلة الحقيقة هنا هي الانسياق مع الطبيعة البشرية التي تملي أنّه عند التخيير بين: قرار سلبيّ أو غير مفضّل (رغم أنه القرار الصحيح واللازم لمصلحة الشركة) وبين لا قرار، فإنّ الإنسان يختار: اللاقرار.
(مبدأ بيتر: في التنظيمات الهرمية البيروقراطية يتجه الأفراد صعوداً إلى أعلى درجات عجزهم. كيف ذلك؟ يرقّى الناسُ إلى درجةٍ أعلى بسبب إظهارهم أداءً متفوّقاً في مواقعهم السابقة إلى أن يصلوا موقعاً بالكاد يستطيعون القيام بمسؤولياته.
ولأنّ هناك غفلة عن حقيقة أنّ أداء المرء الجيد في موقع لا يعني جودةً مماثلة في موقع مختلف أو أعلى، ولأنّ هناك واقعاً يقول إن المرء في التنظيمات البيروقراطية يستمر في الصعود أو يتجمّد ولكنه لا ينزل، فإننا نصلُ إلى حالةٍ يصبح فيها كثيرٌ من شاغلي المواقع الإدارية العليا أعباءً على المؤسسات لا روافع ومحرّكات. سمّيت هذه الظاهرة على اسم الباحث الكندي لورانس بيتر، الذي تناولها في كتاب " "The Peter Principle " عام 1969).

ومن أوضح الأعراض التي شاهدتها غياب التنسيق بين جهود التسويق والمبيعات في كل الأقسام التي ينبغي إشراكها. وكذلك: السعي اللاهث نحو كمياتٍ أكبر لتعويض هوامش الربحية المتآكلة.
إن التآكل المتواصل في هوامش الربح (مع زيادة المبيعات أو دونها) علامة إنذار واضحة.
في كثير من الأحيان تغطّى مشكلات الشركات تغطيةً شكلية بواحدٍ أو اثنين من المنتجات أو خطوط المنتجات ذات الربحية العالية، بينما تبقى الشركة كلّها عاجزةً عن توليد ما ينبغي لقاء تكاليفها. بعدئذٍ سريعاً ما تنخر المنافسة في حصة عملك الرابحة وتتركك عارياً إلا من المنتجات أو الخدمات السلعية commodity products التي لا يميّزها العملاء نوعياً عن بقية منتجات السوق وتباع ارتكازاً على السعر وحسب. مستقبل مظلم فعلاً!

كذلك تميل الشركات إلى الاعتقاد بأن لديها الخبرة الداخلية الكافية للتعامل مع كل المشكلات. بينما يندر أن نرى في الواقع تطبيقاً لهذا الظن. إنّ الشركات اليوم تشتغل بمبدأ الرشاقة التوفيرية القصوى، وهناك على الأرجح نقصٌ في الكوادر الإدارية وليس فائضاً. وبكلمات أخرى: حتى لو وجد على قوائم الشركة بالفعل أسماء أناس قادرين على حل المشكلات، فإنّ هؤلاء غالباً ما يكونون مثقلين مغمورين بتسيير الشؤون اليومية و"إخماد الحرائق الصغيرة" التي لا تنتهي. إنهم راغبون بالتأكيد، ولكنهم بسبب ضغوط الوقت الخانقة، عاجزون.
مشاريع المدى الطويل الأكبر أهميةً تدفع إلى الخلف وتؤجّل لصالح "إطفاء الحرائق" الحاضرة المستعجلة. إنّ هذا الأمر مدمّر لمستقبل الشركة على المديين القريب والبعيد دون جدال، ومن هنا يشتد ظهور الحاجة إلى الخبير الخارجي المتخصّص.

احمل مشورتك المربّعة على أربعة أعمدة!
مثلما يتخصص الأطباء في مجالات الطب المختلفة، يتخصص محترفو واستشاريو الأعمال الخارجيون. إنّ صديقك المصرفيّ أو القانونيّ سيحاول تقديم المساعدة بصدق، ولكنّ الواقع هو أن أياً من هؤلاء لم يسبق له تناول شؤون شركةٍ كاملةٍ كشركتك، وإلى جانب ذلك فإنهم يواجهون مسائل قانونية شائكة تتعلق بتدخلهم في تسيير شركتك. ومحاسبك القانونيّ قد يتقدم ويقول إنّ لديه في طاقمه متخصصاً هو الشخص المناسب الذي تبحث عنه.
تريّث واحذر كل الحذر! اطلب اثباتات الاعتماد وتاريخ مساعدته لآخرين من قبلك.وانظر هل ما يقوم به هذا الشخص أو الشركة هو عمله الأساسيّ أم إنه يتقدم لملأ حاجةٍ ناشئةٍ لديك بأفضل ما يتاح له من عناصر طاقمه؟ نعود فنذكّر: النية الصحيحة موجودة، لكن هل تتوفر المقدرة الصحيحة؟

أعتقد أن هناك طرفاً استشارياً رابعاً. فالمصرفي، والقانوني، والمحاسبيّ لدى كلٍ منهم مجال تخصصه المعين الذي يبلون فيه بلاءً حسناً. واستشاريّ الأعمال business advisor/consultant يخدم حاجةً مختلفة تماماً. إنّ استشاريي الأعمال هؤلاء هم العارفون بشؤون الشركة ومكوّناتها وتفاعلاتها الداخلية. إنّهم من يشمرون أكمامهم وينقضّون على المشكلات انقضاضاً لأنّهم يستمتعون بهذا بالفعل.
والشركة الموفّقة تعتمد على طرق الإرشاد والمعونة الأربعة جميعاً.

بالعودة إلى مثال مراجعة الطبيب الدورية، نقول إنّ المعالجة الوقائية بالرغم من تحميلها التكاليف تبقى أرخص وأقلّ إيلاماً وخطورة من الجراحة، أو في بعض الحالات انهيار الشركة التام.
إن الفحص الوقائيّ الشامل وتقييم أنظمتكم وإجراءاتكم ومنتجاتكم وأسواقكم وكوادركم البشرية على يد خبرة خارجية سيتيح لكم رؤيةً ونصيحةً قيمةً ويزيل من طريقكم أية عراقيل وحفر تنبغي إزالتها قبل أن تتفاقم نتائجها وتتضخم تكاليف معالجتها إلى درجة الأزمة أو الكارثة.
احجز موعد كشفٍ احتياطي في عيادة أعمالٍ الآن، وأطيب تمنياتنا بدوام العافية لكم ولشركاتكم!





عالم الابداع
نشر بتاريخ 8-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة