كلمات إيّاك أن تستخدمها على طاولة التفاوض
صالح سليم
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع صالح سليم
ردود صالح سليم
خمس كلمات
إيّاك أن تستخدمها على طاولة التفاوض

مايك هوفمان

يقضي صاحب العمل جزءاً كبيراً من وقته بين مساومةٍ ومفاوضة مع العملاء أو المورّدين أو المستثمرين أو من يفكرون بالعمل لديه. ومعظم أصحاب الأعمال قد حنّكتهم تجارب ودروس ميدانية دفعوا فيها أثماناً باهظة حتّى باتوا قادرين على إجادة التصرّف بطبيعتهم في معظم مواقف التفاوض (مع التذكير بأنّ عمق الخبرة وتجسيدها في الأداء ليست متناسبةً مع طول زمن الممارسة في كل الأحوال).
لكن سواءٌ أكان المرء من المحنّكين فعلاً أم جديداً في ميدان مفاوضات العمل فإنّه لا يخلو إمّا من الإعجاب بمقدرته والاعتياد على الوضع الراهن ومن ثمّ الانزلاق إلى الاستخفاف بالاستعداد للمواقف ومعرفة كلّ ما سيقول ولماذا يقول، أو أن يصبح أسيراً معجباً بطريقة حوار أو بعباراتٍ معيّنة يستخدمها استخداماً دائماً لتلحق به الخسائر دائماً وهو يظنّها عباراتٍ سحرية تفتح الأبواب وتأتي بالمغانم.
راقب نفسك عزيزي القارئ، هل تستخدم هذه العبارات في التفاوض دون حذر؟ إنّها عباراتٌ خطيرة تلحق الضرر بقائلها في معظم الأحوال، ويستحسن اجتنابها إن لم تكن واثقاً من أنّك تعرف ماذا تفعل في ظرفٍ معيّن.
1- "بين وبين"
في كثير من الأحيان يبدو الإسراع في تقديم طرحٍ معيّن أمراً معقولاً –فهو خطوة إلى الأمام إلى أية حال- فتجد أحدهم يقدّم نطاقاً من القيم. فمع العملاء تجد مقدّم الخدمة أو المنتج يقول "يمكننا القيام بهذا لقاء تكلفةٍ تتراوح بين عشرة وخمسة عشر ألفاً" ومع موظفٍ محتمل تجد صاحب العمل معرّضاً للقول "يمكنك البدء بين 1 و15 من الشهر القادم"
لكنّ كلمة "بين" هذه كثيراً ما تصبح مكافئةٍ لتقديم تنازل. وأيّ مفاوضٍ متنبّه يجلس قبالتك سوف يحكم تسديده وقبضته بسرعة على السعر الأدنى أو الموعد الأبعد الذي تفوّهت به، فور أن تتلفّظ بكلمة "بين، أو يتراوح" ستجد نفسك متخلياً عن بعض أوراقك أو مكاسبك، ودون أن تستخلص أيّ شيء في المقابل.

2- "أعتقد أننا اقتربنا"
نعرف جميعاً الإرهاق ومشارفة حد الانهيار الذي يعانيه المرء أثناء بعض التعاملات، تلك اللحظة التي تتعاظم عندها حاجتك الملحّة لإتمام الصفقة فتشير للطرف الآخر بأنّك مستعدّ لتسوية التفاصيل والمضيّ إلى الأمام.

المشكلة في الوصول إلى هذه المرحلة، وجعل الطرف الآخر يدرك أنّك وصلت، هيَ أنّك بهذا الفعل تعبّر عن أنّ مجرّد التوصل إلى اتفاق –أي اتفاق تقريباً- هو أمر مهمٌ جداً لديك حتى أكثر من حصولك على ما تريد فعلاً. وإن كان الجالس قبالتك مفاوضاً يقظاً ماهراً فإنّه سيستخدم هذه اللحظة كفرصةٍ للتعنّت وإظهار جمود المفاوضات محاولاً أن يسحب منك مزيداً من التنازلات.
إن لم تكن تعاني قيوداً زمنية ملزمةً لا يوجد أي مجال لتخطّيها فإيّاك أن تكون أنت الطرف الأوّل الذي يعلن أو يشير إلى اهتمامه بعقارب الساعة المرعبة التي تلاحق الجميع ورغبته في الانتهاء من التفاوض. هيّئ موقفاً يكون فيه الطرف الآخر مستعجلاً على إنهاء المفاوضات مثلما أنت مستعجل –والأفضل أن يكون مستعجلاً أكثر منك-
3- لم لا تقدّم رقماً!
هناك مدارس مختلفة في هذه الناحية، وكثير من الناس يعتقدون جازمين بأنّ على المرء أن لا يكون أبداً البادئ بتقديم رقم على طاولة التفاوض. يقوم هذا الاتجاه على الافتراض التالي: إن تركت الطرف الآخر يبدأ فسوف يجبر على كشف بعض أوراقه أوّلاً وهكذا ستكون لديك الأفضلية.

ولكن مهلاً يا سادة! هل تراعون أيضاً ما تقوله بعض الخبرات وما تبينه الأبحاث في هذا الشأن؟ تقول الأبحاث إن نتيجة المفاوضات كثيراً ما تكون أقرب إلى ما اقترحه صاحب الخطوة الأولى وليس إلى ما يعتزم الحصول عليه الطرف الثاني. وسبب هذا هو أنّ الرقم الذي يقدّمه الطرف الأوّل سيعمل كمرساةٍ تشدّ نطاق التفكير والمناقشة وتبقيه قريباً منها (ما لم يكن رقماً عبثياً مضحكاً)
بالإضافة إلى "تأثير المرساة" التقييديّ الذي يمارسه العرض الأوّل، يلعب دور من يقدّم هذا العرض الأوّل أثراً ملحوظاً في نتيجة التفاوض. وفي ذلك يقول باحثان من كليتي أعمال إنسياد وكيلوغ: "وجدنا في أبحاثنا أنّ نتيجة التفاوض تتأثر إن كان البادئ بعرض الرقم الأول بائعاً أم مشترياً. في الأغلب، إن كان العارض الأوّل بائعاً فإنّ سعر الاتفاق النهائي سيكون أعلى مما لو كان العارض الأول مشترياً"
4- أنا صانع القرار النهائي
في مستهل كثير من التفاوضات، ستجد أحدهم يسأل: من أصحاب المصلحة الرئيسيون في جانبكم؟ وهل كل من نحتاج موافقته لصنع القرار حاضرٌ هنا؟ وستكون الإجابة لدى معظم رواد الأعمال الجديدة: طبعاً حاضرون!

من تحتاج إلى انتظار رأيه حتّى تصنع قراراتك؟! ما هذا الكلام! أليس القيام بكل شيء بنفسه هو أغلى ما ينشده الرائد ويتحمّل المصاعب في سبيله؟!..
جميلٌ هذا الشعور بالاستقلال والاعتماد على النفس ورائعةٌ هذه العقلية الشجاعة، ولكنني أنصحك أن تضعها جانباً قبل أن تجلس على طاولة التفاوض، لأنّها قد تتحوّل إلى مصيدة مهلكة خصوصاً إن كنت تفاوض مؤسسات كبيرة أو تتناول قضايا معقدة خطيرة. ومن الأفضل لك أن تبدي في مستهلّ التفاوض حاجتك للرجوع إلى طرفٍ آخر قبل أن تقول نعم النهائية. إن كنتَ مالكَ الشركة فقد يكون هذا الطرف مستثمراً كبيراً، أو شريكاً، أو أحد أعضاء المجلس الاستشاري.
(وفي هذا الجانب ينبغي على المسلم وعلى كلّ إنسان زيادة الحرص من الانزلاق إلى الكذب، وبالاستعداد المسبق والتخطيط سيجد كثيراً من أبواب الصدق المفيدة)
إنّ عدم إعلام الطرف الآخر إعلاماً مؤكّداً بأنّك أنت صانع القرار النهائي سيفيدك كثيراً عندما تتطوّر المناقشة وترى نفسك متردّداً محصوراً في زاوية بين قرار خطير ومعلومات ناقصة وزمنٍ ضاغط ومفاوض لا يرحم، ستجدُ فسحةً لطلب مزيد من الوقت ولو ليوم واحد أو بضع ساعات تبحث فيها وتتفكّر. كن متواضعاً على طاولة المفاوضات –ولو تواضعاً زائفاً مؤقتاً- ولا تتفاخر دون داعٍ بأنّك صانع كل القرارات وحدك.
5- "اللعنة!؟"
بالكلمات تهزّ الأشجار الضعيفة لتسقط ثمارها
لا يأخذ المفاوضون المحنّكون أي كلامٍ مهما كان مزعجاً محرجاً أو قليل اللباقة على محملٍ شخصيّ، جدران آذانهم وأذهانهم كتيمة لا ينفذ عبرها النقد الواخز ويكاد يستحيل تهييجهم وإرباكهم. وبسبب ما يبدو عليهم من عدم التوتّر والغرق بالموقف وعدم القلق على مصير الأمور المهمّة المعلّقة فإنّهم يغدون أكثر مقدرة على جعل خصومهم الأقل خبرةً يفقدون أعصابهم ويتصرفون بطرقٍ لا تفيدهم. ويمكن لهذا أن يستخدم بفاعلية ضدّ روّاد الأعمال، لأنّ هؤلاء الروّاد يميلون إلى أخذ كل شيءٍ في عملهم على محملٍ شخصيّ وبحماسة وجدية مفرطة.

في كثيرٍ من الأحيان يسعى رائد العمل الجديد لأن يتخلّق بخلق الرجل الجادّ الصريح، الذي ليس لديه متسع ولا احتمال للنقاشات الفارغة والبيانات الملتوية، وقد تجده أحياناً حسّاساً "مرهف الجلد". ومع ذلك تذكّر أينما جلست لتفاوض ضرورة الاحتفاظ بهدوئك، وعدم إظهار الانزعاج تجاه أيّ عرضٍ عبثيّ تافهٍ أو تكتيتكٍ خلّبي ضاغط يحاول بصفاقةٍ إيهامك بأنّ التفاوض يوشك على الجمود أو على الانفراط.
استخدم هدوئك لإخراج المفاوض الآخر عن هدوئه وإفقاده السيطرة على أقواله وأفعاله. وعندما ترى مفاوضك ينفجر أو يتزعزع من الغضب أو الغيظ فإيّاك أن تلتقط هذا الطعم وتردّ عليه كما يشتهي. حافظ على ثقتك بنفسك وحسب! لقد كسبت الأفضلية الشعورية في الميدان وعليك الآن متابعة الطريق لإبرام صفقتك.




نشر بتاريخ 7-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة