أفكار استثمارية لا تستغرق وقتاً
ابو رامى
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع ابو رامى

أجده دائما منكفئا على جهاز الكمبيوتر، أصابعه تتحرك بسرعة مذهلة مثل عازف البيانو.. عيناه لا تحيدان عن الأوراق الكثيرة التي وضعها أمامه، ولا يرفع يديه عن لوحه المفاتيح إلا ليضع ورقة جديدة ليكتبها.. إنه "التايبست" typist الذي تعتمد وظيفته على مهارة الكتابة على لوحة مفاتيح الكمبيوتر بسرعة تتراوح من 40 إلى 80 كلمة في الدقيقة.
وقد ازدهرت هذه الوظيفة في العالم العربي خلال العقدين الماضيين؛ حيث بدأ التخلي عن الكتابة اليدوية في التعاملات المكتبية، والاتجاه إلى ميكنة المعلومات في المؤسسات الحكومية والخاصة.
وقد بدأت هذه الوظيفة تحت مسمى "كاتب الآلة الكاتبة"، واقتصرت في بدايتها على حاملي الشهادات المتوسطة ودبلومات التجارة، غير أن ظهور الحاسب الآلي في العالم العربي بكثافة في مطلع التسعينيات أدى إلى فتح آفاق جديدة لمهنة التايبست. وأصبحت هذه الوظيفة تحمل دائما في طياتها "قيمة مضافة" لأصحابها بالمعنى الاقتصادي؛ أي أن من يملكها يستطيع أن يضيف لنفسه في كل مرحلة من مراحل حياته وظيفة أخرى يتكيف بها مع متطلبات سوق العمل.. فكيف يتم ذلك؟
متطلبات بسيطة

رغم أن معظم العاملين في وظيفة التايبست من المؤهلات المتوسطة؛ فإن هذا لا يمنع أن خريجي الجامعات اقتحموا هذا المجال نتيجة انتشار البطالة في العالم العربي التي وصلت 15% في عام 2002، وفقا لتقرير التنمية الإنسانية. ويقدر عدد العاملين في سوق التايبست سواء الحكومي أو الخاص في العالم العربي بقرابة 100 ألف شخص، وفقا لتقديرات أحد الباحثين المصريين في مجال تقنية المعلومات العربية.
وتتطلب وظيفة التايبست عددا من المهارات، وهي:
1- معرفة عامة بالكمبيوتر وتحديدا نظام التشغيل "Windows"، ومعرفة عامة ببرنامج "Word"، وامتلاك هذه المعرفة يحتاج إلى دورة في مراكز تدريب الحاسب الآلي المنتشرة بكثافة في العالم العربي.
2- سرعة الكتابة على لوحة المفاتيح من 40 إلى 80 كلمة بالدقيقة، وهذه السرعة لا تأتي إلا مع الممارسة المستمرة، ويمكن امتلاكها بالالتحاق بدورة خاصة باستعمال برامج الكتابة مثل برنامج الـ"TT"، وهذه البرامج في الغالب صغيرة الحجم، ويمكن وضعها على ديسك واحد، والحد الأدنى لتوفر تلك المهارة 3 شهور. ولا بد من مهارة السرعة؛ لأن معظم العاملين في مجال التايبست يعتمد دخلهم على الإنتاج؛ أي كمية الأوراق التي يكتبونها، والنسبة في الغالب تكون بنسبة 40% من حجم الإنتاج حسب السوق المصرية، ولذا كلما ازدادت السرعة ازداد الدخل باستثناء العاملين التابعين لمؤسسة أو دور نشر.
3-توفر لياقة بدنية عالية لتحمل ضغط العمل؛ فمعظم العاملين في مجال التايبست ربما يصل معدل عملهم في الكتابة على لوحة المفاتيح إلى 10 ساعات يوميا.
وهذه المتطلبات يساندها عدد آخر من الأمور تجعل من التايبست وظيفة في متناول معظم خريجي المدارس الثانوية والجامعية، منها زيادة الإقبال على الكتابة الإلكترونية في أغلب المؤسسات الخاصة والعامة والجامعية، وعلى سبيل المثال يجاور جامعة القاهرة في مصر منطقة تدعى "بين السرايات" توجد بها عشرات المكاتب التي يعمل فيها التايبست.
لكن هذه الوظيفة بها بعض العيوب، منها أنها قد تكون موسمية، خاصة للذين يعملون من البيت أو مع مؤسسات تتعامل بالإنتاج؛ فعلى سبيل المثال يقل دخل التايبست الحر بشدة في فترات الإجازة، خاصة الذين يعتمدون على الجامعات والرسائل العلمية كمصدر للدخل.
ويقول طارق الشامي الذي يعتبر أشهر تايبست في المنطقة المجاورة لجامعة القاهرة: "بدأت منذ 10 سنوات في العمل على الآلة الكاتبة، ثم انتقلت للطباعة على الكمبيوتر، وحاليا أحاول الانتقال إلى مجال الجرافيك الذي يعطي ربحا أكثر من العمل في مجال التايبست الذي بدأ يقل عائده مع تزايد المكاتب وانتشار معرفة التعامل مع أجهزة الكمبيوتر بين الناس".


نحو مدخل البيانات..
ظلت مهنة التايبست حتى وقت قريب بلا آفاق، غير أن انتشار الإنترنت بشكل واسع في العالم العربي في عقد التسعينيات فتح آفاقا لتطوير هذه الوظيفة، وسعى العاملون في هذا المجال إلى تطوير أنفسهم، والاتجاه إلى وظائف أخرى.
وأولى الوظائف التي تحول إليها التايبست كانت "مُدخل البيانات"، وتتطلب هذه الوظيفة نفس مهارة التايبست وهي الكتابة بسرعة، يضاف إلى ذلك تعلم التعامل مع برامج أخرى في الحاسب الآلي، منها برنامج "Access" الخاص بقواعد البيانات و"Excel" الخاص بالحسابات التجارية. وهناك الكثير من مراكز التدريب في العالم العربي التي تدرب على سلسلة من البرامج اللازمة لوظيفة مدخل البيانات. وهناك آخرون يعتمدون على الكتب الخاصة بهذه البرامج، وهي متوفرة في المكتبات ليعلّموا أنفسهم بأيديهم.
وكلما ازدادت المعرفة بالإنجليزية زادت القدرة على التعامل مع الكثير من البرامج، لا سيما أن بعضها ليس له دعم عربي، كما أن بعض الكتب المتوفرة بالسوق لبعض البرامج متوفرة بالإنجليزية فقط.
وصلاح عباس مدخل بيانات بشركة كمبيوتر بمصر نموذج للتايبست الذي استطاع أن يطور من نفسه ومهاراته؛ فقد بدأ بالآلة الكاتبة التي عمل عليها لسنوات طويلة، ثم تعلم برامج الأوفس بما تضمنته من الوورد والإكسل والباور بوينت ليصبح مدخل بيانات، وهو حاليا يقوم بنشر مواد التحرير على الإنترنت من خلال تعلمه لبرامج FRONT PAGE، ويأمل صلاح في تقوية نفسه بالإنجليزية حتى يتيح لنفسه دخول مجالات كبرى في عالم الكمبيوتر، معتبرا أن الإرادة هي وحدها الكفيلة بتطوير التايبست، خاصة إلى مجالات أخرى أصبحت مفتوحة بفضل الإنترنت.
مبرمج بلغات
آخرون لم يكتفوا بتطوير أنفسهم إلى مدخل بيانات.. بل انتقلوا إلى مستويات أخرى في تقنية المعلومات وهي العمل كمبرمج؛ وهو ما يتطلب معرفة بعدد من اللغات، مثل فيجوال بيسك Visual Basic، و"C" التي تطورت الآن إلى ما يعرف باسم "Java"، كما يمكن تعلم لغات الويب مثل "HTML- **********- Vbscript- ASP"؛ حيث توفر لك هذه اللغات التأهل لوظيفة مثل "Web publish" الخاصة بإعداد مواقع الإنترنت، وكذلك مهنة "Web Develop" الخاصة بتصميم المواقع.
كما يتطلب عمل المبرمج معرفة جيدة بالإنجليزية؛ حيث إن معظم الكتب والمصادر التي ستتعلم منها ستكون بهذه اللغة، وفي حالة رغبتك في الدخول في مجال تصميم صفحات الإنترنت؛ فموقع مثل: www.w3schools.com يعتبر بداية ممتازة لتعلم لغات الويب المختلفة، وخطوة على الطريق للتحول إلى مهنة مبرمج، خاصة مع اتساع شبكة الإنترنت، وانتشار الشركات التي تعتمد على هذا المجال بشكل أساسي.
وحسن محمود هو أحد مدخلي البيانات الذين تعلموا لغات عديدة في البرمجة، ورغم عدم تمكنه من الحصول على وظيفة تناسب ما تطور إليه؛ فإنه يقول: إنه واثق من أنه يوما ما سيعمل مبرمجا، وهو يسعى دائما لتعلم الجديد في البرمجة.
مصمم جرافيك
أما إذا كنت "تايبست" وتملك موهبة في الرؤية البصرية وحس فنان؛ فيمكنك التحول إلى وظيفة مصمم جرافيك بتعلم برامج مثل "PhotoShop" الذي يقوم بمعالجة الصور وتصميمها، وكذلك برنامج "Flash" وهو الأكثر انتشارا حاليا، ويفتح لك الباب كذلك لتصميم صفحات على الإنترنت إلى جانب قدراته في العرض، بالإضافة إلى ذلك فهناك برنامج "3DS" وهو خاص بتصميم الجرافيك والصور المتحركة، إلى جانب العديد من البرامج التي سوف تحتك بها في عالم الجرافيك، وهي كثيرة ومتنوعة.
في كل الأحوال فإن تطور وظيفة التايبست إلى وظائف أخرى تتوافق مع متطلبات السوق التي يرتفع سقفها من عام إلى آخر أضحى أمرا ضروريا يفرضه الواقع التقني الذي يتطور بسرعة الصاروخ.. والذي لا يستطيع تطوير نفسه قد تتجاوزه سوق العمل.



نشر بتاريخ 6-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة