الإبتكار في الأعمال غير الهادفة للربح
ابو رامى
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع ابو رامى

ناقشت من قبل أهمية الإبداع والابتكار في تصميم الأعمال والمنتجات وتأثير ذلك على زيادة القدرة التنافسية وبالتالي نجاح المشاريع وزيادة الربحية. أُحِب أن أنبه هنا على أن الإبداع ليس مقتصرا على الأعمال الهادفة للربح بل إن قيمته كبيرة في الأعمال غير الهادفة للربح كذلك.

الإبتكار في إطار حاجة الناس وفي إطار قدراتنا وإمكاناتنا

عندما نقوم بوضع خطة استراتيجية فإننا ندرس احتياجات السوق وندرس المنتجات المتاحة وندرس ما ينقص المسنهلكين. إننا ندرس كذلك قدراتنا وإمكاناتنا وقدرات المنافسين. في العمل الخيري أو العمل غير الهادف للربح فإننا نحتاج لأن نقوم بأداء الخدمة التي يحتاجها الناس والتي يكون لدينا -أو يمكننا اكتساب- القدرة والإمكانات على تقديمها. العمل الخيري يهدف لإفادة الآخرين ولذلك فينبغي أن تكون الخدمة لها قيمة لدى العملاء المستهدفين (إن صح التعبير). ويجب أن نكون لدينا قدرة على تقديم هذه الخدمة أو القدرة على تعلمها أو استئجار من يقوم بها.

أظن أننا نَغفل أحيانا -في المؤسسات غير الهادفة للربح- عن دراسة حاجات العملاء أو المجتمع المحيط بنا وعن ربط ذلك بإمكاناتنا. وكذلك فإن التقليد كما هو شائع في المشاريع الهادفة للربح فهو أكثر شيوعا في المشاريع غير الهادفة للربح. وقد تقول: ولماذا نبتكر في المشاريع غير الهادفة للربح؟ وأجيبك: لتلبية حاجيات الناس الحقيقية والمختلفة لأن هذا هو مقياس نجاح المشروع غير الهادف للربح. والابتكار قد يكون في الخدمة المقدمة نفسها أو في أسلوب تقديمها أو في الآلية المستخدمة لتقديمها أو لتمويلها. فقد نُقدم خدمة غير متوفرة -بصورة غير هادفة للربح - وقد نقدم الخدمة بأسلوب أكثر فائدة للعملاء وقد نبتكر وسيلة تمكننا من تقليل تقليل تكلفة الخدمة بما يمكننا من تقديمها لعدد أكبر وهكذا. والابتكار كذلك يُمكننا من الاستغلال الأمثل لقدراتنا وإمكاناتنا بحيث نُقدِّم خدمة ذات قيمة للعملاء.

هناك الكثير من المجالات للابتكار في ماهية الخدمات غير الهادفة للربح فيمكننا استخدم التكنولوجيا لتطوير خدماتنا ويمكننا تقديم خدمات مُهملة. فمثلا يمكننا استخدام الشبكة الدولية لتوفير ما يشبه دروس تعليمية مجانية بحيث يقوم مجموعة من المدرسين المتطوعين بالإشراف على كل تخصص ويقومون بوضع مواد تعليمية وتمارين وكذلك يجيبون على الأسئلة التوضيحية. ويمكننا وضع الكثير من المواد التعليمية للصم والبكم على الشبكة الدولية. نستطيع كذلك إنشاء قاعدة بيانات للمحتاجين للعمل بحيث نجعل هذه البيانات متاحة لجهات العمل المحلية.

يمكننا كذلك الابتكار في آليات العمل مثل أن نقوم بدمج بعض الخدمات بحيث تستفيد من بعضها البعض. فمثلا قامت إحدى الجمعيات الخيرية بإنشاء دار للمسنين ودار للطفل اليتيم. لا أعرف إن كان قد قُصد دمج هاتين الخدمتين ولكن أظن انه من الرائع أن يكون هناك داراً للطفل بجوار دارٍ المسنين لأن هذا يمثل متعة كبيرة لهؤلاء المسنين. يمكننا كذلك دمج بعض الخدمات بحيث يشارك المستفيدين من هذه الخدمة في تلك الخدمة. فمثلا قد نقوم بانشاء مستشفى خيري مع دار للأيتام بحيث يتم تدريب الأيتام على العمل في المستشفى بما يمكنهم من الحياة بشكل كريم مستقبلا. وقد نقوم بتوفير خدمة طبية منزلية بدون أن نقوم ببناء مستشفى بأن نتفق مع بعض الأطباء أن يقوموا بعدد محدد من الزيارات المنزلية شهريا للمرضى المحتاجين وبهذا نكون قد وفرنا خدمة عظيمة برغم قلة إمكاناتنا المادية.

كذلك هناك مجالات كثيرة للابتكار في تمويل الخدمات. فمثلا شاهدتُ في الخارج مشروعا لتجميع الملابس المستعملة والأثاث المستعمل وإعادة تنظيف هذه الأشياء وعرضها للبيع بأسعار زهيدة. وقد نستخدم الدعايا لشركات ممولة كأسلوب لتمويل بعض المشروعات الخيرية.

كما ترى فهناك الكثير من المجالات للابتكار في الأعمال غير الهادفة للربح. وليس الهدف من هذه المقالة تقديم الأفكار ولكن الحث على البحث عن الأفكار. فيمكننا استخدام أساليب دراسة السوق وأساليب العصف الذهني وغيرها لكي نصل إلى الخدمات التي نقدمها أو في أسلوب تقديمها أو آلية تمويلها. فالعلوم الإدارية ليست مختصة بالمشاريع الهادف للربح فقط.

أمثلة للإبتكار في الأعمال غير الهادفة للربح

هناك الكثير من الأمثلة على الابتكار في مجال الخدمات الخيرية ولكنني أكتفي بعرض مثال أعجبني كثيرا.

رأيت في الحرم المكي شخص متقدم في السن يتحرك على كرسي متحرك بالكهرباء وهو يقوم بعمل خيري ينطبق عليه كل ما ذكرت. هذا الرجل يأتي -فيما يبدو يوميا- إلى الحرم المكي ويقف بكرسيه عند نهاية دائرة الطواف ويكون معه عدة صناديق من المناديل الورقية ويقوم بفتح الصندوق الأول ويمد يده لكي يأخذ الطائفون مناديل يجففوا بها عرقهم. هذا الرجل أتى بالخدمة التي يحتاجها كثير من الناس وهي خدمة تناسب قدراته وإمكاناته. ونظرا لأنه لا يوجد من يقدم هذه الخدمة فإن المنافسة تكون ضعيفة أو بمعنى آخر تكون الحاجة للقيام بهذا العمل حقيقية.

هذا المثال في الحقيقية يوضح أمرا هاما وهو قدرة أي منا على تقديم شيء يحتاجه الآخرون. ومن مُتَع الحياة أن تفعل المعروف وإن كان -في نظرك- صغيرا.

بعض الأعمال غير الهادفة للربح والتي لا تلقى اهتماما كبيرا

تلقى بعض الأعمال الخيرية رواجا مثل الصدقة وبناء المستشفيات وهذا أمر جيد جدا بينما بعض المجالات الأخرى لا تلقى هذا الاهتمام. من هذه المجالات:

تعليم الطلبة الموهوبين أو المتفوقين تعليما متميزا. تهتم الكثير من المؤسسات الخيرية بتوفير فرص التعليم للفقراء وهذا أمر عظيم. ولكن قلَّما تجد مؤسسة خيرية للإنفاق على تعليم الطلبة الموهوبين والمتفوقين تعليما متميزا

إنشاء مدارس متميزة من الناحية العلمية والتربوية. مع انتشار المدارس الخاصة التي تقدم تعليما متميزا فإن الحاجة تظهر لوجود مدارس لا تهدف للربح بحيث تقدم خدمة ذات مستو عال من الناحية العلمية والأخلاقية

تعليم الحرف والمهن والمهارات الأساسية للعمل كمهارات الحاسوب واللغات. هذه المهارات تساعد الكثيرين على العمل

تعليم الباحثين عن عمل طريقة البحث وكيفية كتابة السيرة الذاتية. الكثير من الباحثين عن عمل لا يعرف كيف يكتب سيرة ذاتية وكيف يتصرف في المقابلة الشخصية

مساعدة العاطلين في البحث عن فرصة عمل. إيجاد فرصة عمل لشخص هي أفضل من مساعدته كشخص فقير

المساعدة النفسية للمصابين بمصائب مثل الأمراض المزمنة والمستعصية وفقد حبيب أو قريب. هذه أمور لا تلقى الكثير من الاهتمام مع أنها ذات تأثير كبير ويمكن تقديمها بسهولة

مساعدة الراغبين في إنشاء مشاريع صغيرة بتمويلهم وتوفير خدمة استشارية لهم وتدريبهم. هذا أمر مهم لأنه يوفر فرص عمل ويزيد من معدل النمو وغير ذلك مما لا يخفى عليك

نقل العلم والخبرة من ذوي العلم والخبرة للمبتدئين. مع الأسف فإن الكثيرين منا يقومون بتعمد إخفاء خبراتهم عن الآخرين ولا أدري أين هذا من التعاون ومن النصيحة ومن الصدق. هناك الكثير من ذوي الخبرات في مجالات العمل الذين قد يقومون ببذل خبراتهم للمبتدئين ولكنهم يحتاجون من يتيح لهم المكان لتقديم هذه الخبرة بالمجان

تأهيل الناس للمراحل العمرية المختلفة مثل تأهيل الشباب لمرحلة الزواج - قبل الزواج- وتأهيل المتزوجين لتربية الأطفال وتأهيل العاملين المقبلين على التقعد على كيفية الاستفادة من تلك المرحلة. كثير من المشاكل التي نتعرض لها تكون بسبب عدم تأهيلنا لتلك المراحل قبل الدخول فيها فلماذا لا نوفر هذه الخدمة؟

تأهيل الأطفال والشباب على استخدامات الشبكة الدولية (الإنترنت) الجيدة وإيضاح مخاطر الاستخدام السيء. هذه مشكلة كبيرة في عالمنا العربي ولها تأثيرات سلبية كثيرة فلماذا لا نقوم يتدريب الأطفال لكي يتجنبوا الاستخدام السيء للشبكة الدولية

تدريب الأطفال على لوازم الحياة الضرورية الأساسية مثل الإسعافات الأولية وأسلوب الأكل والتحدث مع الآخرين وكيفية اختيار الملابس المناسبة. لكي نرتقي فإننا نحتاج ان يكون كل المجتمع على نفس المستوى بالنسبة للأمور الأساسية. فمثلا بدلا من أن نشكو من فشلنا في عقد الاجتماعات فلماذا لا نقوم بتدريب الأطفال والشباب على أسلوب النقاش

تدريب الأطفال والشباب على أخلاقيات العمل. هذا أمر ضروري للقضاء على الفساد

تدريب الأطفال على الأخلاقيات الأساسية مثل الصدق والنظافة واحترام حقوق الآخرين

تأهيل الشباب المسافر للخارج على كيفية الحياة في بلد غريب وتأهيل العائدين من الخارج على كيفية التأقلم مع الحياة. هذه خدمة مهمة جدا لكي ينجح أبناؤنا بالخارج بدون حدوث خلل فكري أو نفسي في الخارج أو عند العودة

تأهيل الكبار على كيفية تنظيم شئونهم المالية. الكثير من لا يستطيعون تنظيم أمورهم المالية وهو ما يؤدي إلى دخولهم في مشاكل مالية

توفير مكتبات -للقراءة- في المواضيع المختلفة. من المعلوم أن طلبة العلم قد يجدون صعوبة في شراء الكتب والمراجع العلمية فتوفير مكتبات متخصصة يكون لهه تأثير عظيم

هذه بعض الأمثلة لمجالات من العمل الخيري التي أظنُ أنها لا تلقى اهتمام كبيرا وقد يكون هناك الكثير من المجالات الأخرى. يمكن النظر على هذه الخدمات على أنها خدمات مبتكرة وغير تقليدية.

لماذا نكتفي بالتقليد؟ بالابتكار يمكننا تقديم خدمات أفضل أو خدمات جديدة أو خدمات أكثر أو خدمات غير متوفرة. بالابتكار يمكننا توسيع دائرة العمل غير الهادف للربح ويمكننا أن نُفيد قطاعات كثيرة من المجتمع وأن نساهم في نمو مجتمعاتنا
[/b]
نشر بتاريخ 4-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة