ثقافة سياسة تقليل الفاقد
ابو رامى
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع ابو رامى

ثقافة سياسة تقليل الفاقد (البنية الأساسية)

قبل أن نستعرض عناصر أو آليات هذا النظام فإن علينا أن نستعرض ثقافة هذا النظام والتي بدونها تصبح هذه الآليات بلا روح وبالتالي لا تؤتي ثمارها. فقد تقول مثلا أن من الأشياء الجيدة للمدير أن يسمح للعاملين بعرض أفكارهم أو مشاكلهم، ولكن إن كان هذا المدير لا يؤمن بذلك فسيقوم به بلا روح بحيث لا يُشجع أحدا على الحديث معه. لذلك أحاول هنا تلخيص الخطوط الأسياسية المتغلغلة في هذا النظام وأوضح الفلسفة التي يعيش بها مُطبقو هذا النظام.

القضاء على الفواقد waste elimination: التخلص من الفواقد هو اسم لهذه السياسة وهو أمر في العقل الباطن لكل من يُطبق هذه السياسة. لاحظ الفارق بين الفاقد والإنفاق والتكلفة. تقليل الفاقد يعني التخلص من العمليات التي لا تؤدي إلى فائدة وسنشرحها بعد قليل. أما تقليل الإنفاق فمعناه تقليص عمليات الإنفاق النقدي وهو ما تلجا إليه المؤسسات في فترة ما عند وجود نقص في السيولة المالية. أما تقليل التكلفة فمعناه تقليل تكلفة المنتج بصفة عامة وهذا قد يكون بتقليل الفاقد ولكنه قد يكون بإنتاج منتج أقل جودة من حيث الخامات مثلا. ما نتحدث عنه هنا هو تقليل الفاقد بمعنى أن تطبيق هذه السياسة لا يعني تقليل الإنفاق بل قد نقوم بالإنفاق كثيرا على أشياء ستؤدي لتقليل الفاقد في المستقبل وكذلك فإن هذا النظام يطبق في الشركات التي تنتج منتجات ذات أسعار عالية أو زهيدة وكما هو واضح فإن سيارات تويوتا ليست سيارات رخيصة الثمن.

إذن فما هي الفواقد؟ دعنا نستعرض الفواقد التي حددتها تويوتا صاحبة هذا النظام لكي نتفهم مفهوم الفواقد في هذا النظام:

1- الإنتاج الزائد over-production: الإنتاج الزائد ينتج عنه مخزون من المنتجات ومخزون زائد من المنتجات تحت التصنيع وهو ما يسبب زيادة في أوقات الانتظار بين عمليات التشغيل ويكون سببا في تغطية المشاكل والعيوب كما أو ضحت بالتفصيل في المقالة السابقة

2- أوقات الانتظار waiting time: أوقات الانتظار هي أوقات ضائعة ولذلك فإن كثيرا من المديرين لا يحب أن يرى أي موظف لا يعمل ولذلك فإن المشغلين عليهم ان يستمروا في الإنتاج بغض النظر عن احتياج مراحل الإنتاج التالية واحتياج السوق. هذا لا يتفق مع ثقافة هذا النظام. ثقافة تقليل الفاقد تهتم بتقليل أوقات الانتظار التي تمر بها الخامات والمنتجات نصف المصنعة فكل جزء ينتظر وقتا طويلا في طابور طويل قبل كل مرحلة إنتاجية…هذا الوقت لابد من تقليله. هناك كذلك أوقات الانتظار التي يقضيها المشغل وهو ينتظر الماكينة لتنتهي من تشغيل جزء ما.

3- منتجات معيبة defective products: عندما يتم إنتاج منتج معيب فإن هذا يعني إما إعادة تشغيله أو إهلاكه (التخلص منه). هذا يعني ضياع وقت في تشغيل منتج معيب وإعادة وقت في إعادةا لتشغيل وضياع قيمة المواد وإطالة الوقت اللازم لتلبية طلبات العملاء. هذا يعني أيضا وجود حاجة لعدد كبير من العمالة التي تفحص المنتج النهائي بعد إنتاجه. كل هذه الفواقد غير مقبولة في نظام تقليل الفاقد

4- فواقد في الحركة motion: كم من دقائق وساعات تضيع أثناء حركة العامل من مكان لآخر للقيام بأعمال لا فائدة منها أو يمكن الاستغناء عنها؟ هذا النظام لا يهتم بأن العامل مشغول طوال الوقت ولكن ينظر إلى كونه مشغولا بأمور تضيف قيمة للمنتج أم لا. فعندما يبحث المشغل عن أداة التشغيل لعدة دقائق أو يبحث فني الصيانة عن مفك أو مفتاح لمدة دقائق فإن هذا وقت ضائع فلو كانت الأشياء مرتبة وواضحة وقريبة من الفني لما احتاج هذه الدقائق للبحث عن الأدوات.

5- فواقد في التشغيل processing: طالما أن المعدة تعمل فإن كل شيء على ما يرام. ليس هذا فكر نظام تقليل الفاقد. هل كل هذه الخطوات التي تقوم بها المعدة لتصنيع المنتج ضرورية؟ هل يمكن تبسيطها؟ هل يمكن إسراعها؟ قد تكون هناك خطوات يمكن دمجها أو يمكن أداءها في وقت أقل عن طريق استخدام تكنولوجيا أخرى أو إعادة ترتيب عمليات التشغيل….

6- فواقد في النقل transportation:في المصانع التقليدية فإن الخامات والمنتجات نصف المصنعة والمصنعة يتم نقلها لمسافات طويلة. هذا التقل يعني أدوات كثيرة للنقل وأوقات للنقل ويعني الحاجة لمخزون يكقي حتى يتم نقل الشحنات الجديدة. في نظام تويوتا يتم إعادة تنظيم موقع العمل وأسلوب العمل بحيث تقل مسافات النقل كثيرا وبالتالي تقل الفواقد المترتبة على عمليات النقل

7- فواقد في المخزون inventory: المخزون هو غطاء للكثير من العيوب والمشاكل في العملية الإنتاجية كما أوضحت في المقالة السابقة. فالأمر ليس مجرد تكاليف التخزين ولكن الأمر أكبر من ذلك. فوجود مخزون كبير يجعلنا نتغاضى عن مشاكل الجودة ومشاكل المعدات والفواقد الكثيرة الأخرى.

هذا هو مفهوم الفواقد في نظام تقليل الفاقد. والخلاصة أن كل حركة أو وقت أو طاقة يمكن الاستغناء عنها فإنها تعتبر فواقد وكل طاقة أو وقت ضائع لابد من استغلاله ولكن لن يتم استغلاله لزيادة الفواقد الأخرى.

حل المشاكل من جذورها root cause analysis: يعتمد هذا النظام على النظر إلى المدى البعيد واستهداف حل المشاكل من جذورها. فالفكر هنا يختلف تماما عن أسلوب حل المشاكل اليوم لتعود بعد شهر أو شهرين ويختلف عن أسلوب التعايش مع المشاكل. لذلك تجد أسلوب دراسة المشاكل يتميز باستخدام أدوات محددة وهي أدوات تبدو بسيطة ولكنها تهدف إلى التفكير العميق في أسباب المشاكل مثل مخطط هيكل السمكة fishbone diagram وعصف الذهن brainstormin والتفكير الجماعي. بل إن أسلوب التقرير a3 الذي يستخدم في تويوتا واليابان فهو يوضح لكل مشكلة أسبابها والإجراءات التي ستتخذ لمنع حدوث هذه المشكلة مستقبلا. هذه أحد ركائز هذا النظام التي يجب أن تكون تصرفا تلقائيا للعاملين والمديرين.

الموقع المرئي visualization: نظام تويوتا الإنتاجي يحاول أن تكون الأشياء واضحة للجميع من النظرة الأولى. عندما تكون في مصنع يُطبق سياسة تقليل الفاقد فإن كل شيء في موقع الإنتاج واضح لكل عامل بمجرد الاعتماد على النظر. ماذا يعني الاعتماد على النظر؟ إن أرقام الإنتاج والجودة وأعطال المعدات والمهام أماكن أدوات الإنتاج والمواد والأماكن الآمنة ….إلى آخر ذلك موضح في موقع العمل. فهناك لوحة في كل موقع يوضع عليها رسومات بيانية وجداول توضح أرقام الإنتاج يوما بيوم وتوضح تغير الجودة والأعطال التي حدثت، وهناك جداول توضح المهام الموكلة لكل عامل وجداول توضح المهام المتأخرة. في هذه المواقع يمكنك معرفة كل شيء بمجرد النظر. لاحظ أن هذا ينطوي على شي آخر وهو إتاحة المعلومات، فالمعلومات ليست متاحة للمهندسين فقط أو للعاملين في هذا الموقع فقط بل إنها معروضة في مكان العمل يراها الجميع. ولذلك فإن كل الكتالوجات والرسومات تكون موضوعة في أماكن واضحة يمكن للعاملين الوصول إليها بسهولة.

منع الخطأ mistake proof : نظرا لأن نظام تقليل الفاقد (التصنيع الرشيق) يحاول القضاء على المشاكل من جذورها فإن سياسة منع الخطأ هي أحد عناصر هذه الثقافة. فعند حدوث مشكلة لا نقول “من الذي أهمل” ولكن نقول “كيف حدث الخطأ؟ وكيف نمنعه”. الفكرة هنا مشابهة لعملية تصميم منتجات سهلة الاستعمال أو مناسبة لطبيعة جسم الإنسان (الهندسة البشرية ergonomics). فالإنسان من طبيعته أن ينسى وان يخطئ فعلينا تصميم الأشياء بحيث تصبح فرص خطئه معدومة. علينا أن نمنع الخطا من الحدوث أصلا فلذلك فعلينا تطوير الماكينات وأنظمة العمل بما يمنع حدوث خطأ سواء من الإنسان أو الماكينة. هذا الأسلوب يسمى باليابانية poka yoke.

الخطوات القياسية للعمل standardise work: عندما يكون هناك عدد من الفنيين يقومون بنفس العمل فقد تجد أن أحدهم يستخدم طريقة تقلل الفاقد من وقت أو خامات ولكن الآخرين ربما لا يستخدمون نفس الأسلوب. لذلك فإن وضع خطوات قياسية للعمل يجعل كل المشغلين يستخدمون أفضل أسلوب وتكون هذه الخطوات القياسية هي الأساس لتطوير العمل فكلما توصلنا إلى طريقة أفضل فإننا نقوم بتعديل الخطوات القياسية وبذلك نتمكن من تطوير أداء كل المشغلين.

لاحظ أن الخطوات القياسية سيشترك في إعدادها المشغلين وخاصة ذوي الخبرة والمتميزين منهم. الخطوات القياسية تساعدنا على تقليل المتغيرات في عملية التشغيل بمعنى أننا نستطيع التوصل لزمن ثابت تقريبا للعمليات. تقليل التغير هو من أساسيات نظام تويوتا وهو أمر مهم في إدارة العمليات وربما نناقشه بالتفصيل مستقبلا إن شاء الله. الخطوات القياسية تستخدم كذلك لتحديد الأنشطة اليويمة للمشرفين والمديرين بما يضمن توزيع أوقاتهم بشكل مقبول يحقق أهداف هذا النظام.

احترام العاملين respect of employees: نظام تويوتا أو تقليل الفاقد لا يمكن أن يعمل إلا في جو من الاحترام والثقة المتبادلة، فهذا النظام مبني في جوهره على العمل الجماعي. لابد أن يكون فكر المديرين أنهم يقومون بدعم العمالين على خطوط الإنتاج فيما يعرف بالهرم المقلوب أي أن العاملين على خطوط الإنتاج هم قمة الهرم والمديرين هم في أدنى الهرم بمعنى أن دورهم هو دعم هؤلاء العاملين في الموقع. في هذا الجو يمكن للعامل أن يبدع ويمكن الحصول على التطوير من هؤلاء الذين يتعاملون مع عملية الإنتاج بشكل مباشر ويمكن للأقسام المختلفة أن تتعاون
نشر بتاريخ 4-2-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة