العمارة الطينية (الطوب اللبن)
محمد ابو ياسين
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع محمد ابو ياسين
ردود محمد ابو ياسين


العمارة الطينية (الطوب اللبن)





تتميز العمارة الطينية في مدينة العلا (وادي القرى قديمًا) بالبساطة، وتنجلي هذه البساطة في استخدام المواد المحلية في البناء مثل الحجر والطين وأعواد الأثل وجذوع النخيل ببساطة مرتبطة بالذوق الفني والانسجام الجمالي، كما كانت أيضًا بساطة مقرونة بعلم واسع بالفطرة والتجربة بهندسة البناء في وضع نماذج فريدة ومميزة تضمن عناصر وظيفة تلبي حاجة البيئة والظروف المناخية والعادات والتقاليد الاجتماعية.
إنّ مدينة العلا تتميز عن بقية مدن العالم بترابط مبانيها التي تكاد تكون كبيت واحد أو قلعة عظيمة من الطين؛ وهذا فيه نوع من الجرأة الهندسية حيث وفّرت الفتحات بين المنازل أسلوب إنارة وتهوية وتبريد عالي الكفاءة وكمية من الظل الذاتي والمعكوس على أزقة وممرات وساحات تلك المباني.
إنّ مباني مدينة العلا (الديرة) بنيت من الطوب الطيني الذي يسمى (اللبِن)، ومنه ما يصب بقوالب ويطلق عليه (لبِن القالب)، ومنه ما يكوم باليد ويسمى (لبِن اليد)... حيث يستخدم بأحجام مختلفة في البناء وتختلف تسمية الجدار حسب عرضه؛ فمنها ما يطلق عليه بناء سميطا (وهو مكوّن من طابوقة واحدة)، وهناك الجدار (المربوع) وهذا يكون أكثر عرضًا وأقوى في عملية الربط لأنه يتكوّن من لبنة (بلوكة) ونصف. وعادة ما يكون الجدار مربوعًا إذا كان في الأطرف أو أنه يكون ساندًا لأخشاب السقوف وتكون القواطع بالسميطا للحصول على مساحات داخلية أكبر. وعادة ما تتحكم أطوال الأخشاب المستخدمة في المساحات؛ وهذا الأسلوب ينطبق على غالبية مباني العلا القديمة باستثناء بعض القلاع والحصون وبعض المباني التي تكون قريبة من مجاري السيول تكون مبنية بالحجارة والطين.
وقد نجح المعماريون في العلا في إيجاد تعبير معماري جديد عن طريق تشكيل وتنظيم العناصر التركيبية والإنشائية التي وجدت في العمارات القديمة، حيث كانت العلا أحد مراكزها الرئيسية مثلما هي في العراق وبلاد الشام.

تصميم الوحدة المنـزلية في العلا القديمة (وادي القرى)
العناصر الوظيفية ومكونات المنـزل العلاوي
إنّ تراث أيّ عمارة ما إنما هو أشكال إنشائية ووظيفية شاخصة تعبّر بأوضح صورة عما كانت تحتاجه ثقافة من الثقافات، وما كان يراود أهلها من أحلام. إنّ المنـزل العلاوي يتميز عن غيره من المنازل الأخرى في تقسيم عناصره الوظيفية، حسب الحاجة له دون إسراف في مساحة الأرض ومع الأخذ بعين الاعتبار تلاصق الجدران لتخفيف المصاريف وتقاسمها مناصفة مع الجيران من ثلاثة جوانب في أغلب الأحيان، ويتكون المنـزل العلاوي في أغلب الأحيان من دورين، دور أرضي (سفلي ويطلقون عليه أسفل) ودور علوي. فالدور الأرضي لا يستخدم لأغراض سكنية في فصل الصيف؛ لأنهم يسكنون في مزارعهم لحراستها من السرقة وللاستمتاع بثمارها الصيفية مثل الرطب والعنب والرمان والخوخ والحمضيات، ويستخدمونه للسكن شتاء، ويحتوي المنـزل على المدخل الرئيسي الذي يؤدي إلى غرفة ضيّقة المساحة تسمى (القاعة) وصالة صغيرة تسمى (الصحن) وكذلك الدرج إلى الدور الثاني. ويستفاد من بيت الدرج في تخزين الحطب والفحم للوقود والتدفئة في فصل الشتاء البارد، ويطلق عليه البعض (بيت الفحم)، وكذلك لتخزين أعلاف الحيوانات وبعض الأثاث الزائد عن اللزوم. أمّا القاعة وهي الغرفة الوحيدة في الدور السفلي ففي فصل الصيف تكون مخزنًا للمؤونة الغذائية من تمر وسمن وبُرّ وغيرها من خيرات تنتج محليًّا.
أمّا الدور العلوي فيحتوي على غرفة واحدة تسمى (الطيارة) تقع فوق الغرفة السفلية، وفسحة صغيرة فوق ما يطلق عليه اصطلاحًا الصحن بالدور الأرضي، ثم المربد وهو عبارة عن فسحة صغيرة جدًّا لها عدة استخدامات وهي عبارة عن دورة مياه لا يستخدم بها الماء وإنما تكون النظافة بواسطة الاستجمار بكسر اللبِن (الطابوق الطيني) وذالك لمنع خروج الروائح الكريهة، ولإعادة استخدام الفضلات كأسمدة طبيعية للمنتوجات الزراعية في فصل الشتاء. ويتمّ استخراج الأسمدة من أماكنها في فصل الصيف حيث يكون السكان في المزارع فلا يتأذون من الروائح، ويتمّ نشر الأسمدة في ساحات خارج سور المدينة للتعرض إلى شمس الصيف المحرقة لتجفّ وتختلط بالأكسجين طوال فترة الصيف ليتم نقلها إلى المزارع في فصل الشتاء.
وهناك غرفة أخرى تقع على السقيفة بين البيوت وفوق الأزقة ولكنها لا تكون في كل البيوت؛ فهي تكون في بيت ولا تكون في الذي يليه؛ وذلك لأنّ المساحة لا تسمح أن تقسم بين البيتين، وعليه فتكون تلك الغرفة من نصيب بيت وحرمان الآخر منها، ويكون ذلك بالتراضي وتقاسم تكاليف البناء حسب قانون متّبع في البلد وجرى عليه العرف فيما بينهم.
ولم يكن فن البناء بهذه الطريقة اعتباطًا بل كان مدروسًا دراسة وافية وبناءً على متطلبات واحتياجات اجتماعية وأمنية. فارتباط المنازل ببعضها البعض يتيح التحرك للمدافعين عن البلد من مكان إلى آخر دون أن يلحظ المهاجم التحركات ونقل الذخائر والعتاد وغيرها، ودون الحاجة إلى النـزول إلى الشارع.
مراحل البناء المختلفة في البيت العلاوي
أوّلاً: الأساسات
بعد تنظيف الموقع، تبدأ أعمال الحفر للأساس حتى تصبح الأرض صلبة ويصل عمق الأساس إلى متر أو مترين، وعادة إلى 1.6 متر تحت سطح الأرض، ويصل عرض الحفر للأساس إلى 1.5 متر أو ضعف سمك الجدار الذي على مستوى الأرض.
وبعد الانتهاء من عملية الحفر تبسط (كسر الحجارة) كطبقة صبية نظافة وتسوية نظافة وتسوية ثم ترش فوقها طبقة من الملح (ملح الطعام) بنسب متفاوتة لا تتجاوز السنتيمتر الواحد، وذلك لتقوية أرضية الأساسات، ثم يليها رص حجار كبيرة وغير مصقولة إلى أن يصل مستوى سطح الأرض. وبعدها تبدأ عملية البناء بالحجر المصقول لرفع الأساس فوق سطح الأرض من 50 سم إلى متر.
ويقوم بعملية البناء ورص اللبِن رجل متخصص يطلق عليه اسم (المعلّم) يرافقه مساعدون يطلق عليهم (عمّال)، وهم من يساعد المعلّم بمناولته الماء والطين واللبِن حسب حاجته، ويستخدم الطين في عملية البناء لربط اللبِن بعضه البعض ولإعطائه خاصية التماسك ليصبح كأنه لبنة واحدة، أو كما ورد في الحديث الصحيح عن حال المسلم مع أخيه المسلم فيما روي عن رسول الله  قوله "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا"، كما يتم في كلتي الحالتين تجصيص جدار الأساس من الخارج بالطين والتبن معًا.
ومما هو جدير ذكره هنا أنّ سُمْك الحجارة الخاصة بالأساس تتناقص تدريجيًّا إلى الداخل حتى تصل إلى سُمْك الجدار المطلوب بنائه بالطوب الطيني (اللبِن).
كما نشير هنا بأنه توجد بعض الحالات التي يتم فيها الاستغناء عن الحجر في الأساسات والاكتفاء فقط بالطوب الطيني.
ثانيًا: الجـدران
تبنى الجدران من الطوب الطيني (اللبِن) حيث تستخدم ثلاثة أنواع من المقاسات للطوب الطيني، ويرجع هذا الاختلاف إلى الهدف من البناء؛ فهناك جدار يبنى على طول اللبنة بشكل طولي، وهذا غالبًا ما يستخدم في تسوير المزارع أو المقابر وما شابهها، وهناك السميطا وهو بعرض اللبنة (الطابوقة) ويستخدم في الفواصل بين الغرف في المنازل، وكذلك المربوع وهو بعرض طابوقة ونصف حيث يكون الجدار عريضًا لغرض تحمله خشب السقف وحمل الدور الثاني والدور الثالث أحيانًا. ويختلف سُمْك الجدار من دور إلى آخر؛ ففي الدور الأرضي يكون مقاس (اللبِن) الطوب الطيني 50.5سم x 32.7سم وهو الجدار المربوع، والمقاس الثاني للطوب الطيني 32.5سم x 30.5سم. وإذا انتقلنا إلى الدور الثاني فإنّ المقاس هو 25.5سم x 23سم. ومن هنا نستنتج بوضوح التناقص التدريجي لسُمْك الجدران والذي يؤدّي بدوره إلى الميول الخارجي للجدران نحو الداخل.
ثالثًا: السقوف
تكمن وظيفة السقوف لحماية المباني وساكنيها من الداخل من عوامل الطبيعة الخارجية كالشمس والمطر والرياح. ومن الدراسات على السقوف استنتج كيف أنّ ارتفاعات المباني توجد في منسوب واحد يدلّ على إتقان لا مثيل له في الحفاظ على ارتفاعات مدروسة.
رابعًا: الدكاك
الدكاك وهي عبارة عن جدار خارجي يساند جدار البيت ولا يرتفع أكثر من متر غالبًا. فالجدران الخارجية للمباني تتعرض كثيرًا إلى التآكل والتساقط، وخاصة الأجزاء التحتية، وذلك نتيجة لقربها من مياه مجاري السيول والأمطار نظرًا لطبيعة المنطقة الجبلية؛ مما يجعل السيول تمرّ من الشوارع في انحدار نحو المزارع. ولهذا نلاحظ بأنّ المعماريين بالعلا قد ابتكروا جدارًا داعمًا من الحجر يحيط بالمنـزل لتدعيم الأساس وجدران الدور الأرضي، خاصة إذا كان الجدار خارجيًّا في اتجاه الزقاق أو الشارع، وكثيرًا ما يستغل هذا الجدار الواقي كدكة. ويساعد هذا الجدار الداعم (الدكة) في عدم تسرب المياه أثناء الأمطار الغزيرة إلى أساسات المنـزل التي تسبب التشققات الموجودة في كثير من المباني في أماكن أخرى.
خامسًا: التلييس (والتلويق)
استخدم المعماريون بالعلا التلييس أو ما يسمّونه في مصطلحاتهم (التلويق)؛ وذلك لحماية الجدران من العوامل الطبيعية المختلفة كالأمطار والرياح والشمس، ومن تجنب تواجد حشرات في شقوق الجدران، وتتم هذه العملية على مرحلتين.
- المرحلة الأولى: التجصيص بالطين والتي تتم بمرحلتين: المرحلة الأولى وهي إحضار الطين الخاص من مقالع الطين أو من مجرى السيول، ويتم تكويمه وفتح فتحة بوسطه (مركزه) بفتحة أشبه ما تكون بفوهة بركان فتملأ الفتحة بالماء ويطلقون على تلك العملية (تخمير) فيترك طوال الليل أو أربعًا وعشرين ساعة ليخمر ولتسهل عملية خلطه، ويخلط أحيانًا ذلك الطين بالتبن، وهي مخلفات سيقان القمح والشعير.
- المرحلة الثانية: بعد تخمير الطين يأتي العمال، وعادة يكون عملهم تطوّعًا دون أن يتقاضَوا أجرًا عليه؛ لأنهم قد تعارفوا على الفزعة لبعضهم البعض، وهو نوع من التكافل الاجتماعي نفتقده في زماننا هذا، فيقومون بخلط الطين بالماء الذي يجلب من العين الجارية، ويحضر الماء بالقِرَب والسطول وعلى ظهور الدواب، فيخلط الطين ثم يرش الجدار بالماء، ومن ثم تبدأ عمليات التلييس (التلويق) للجدران دون استخدام أدوات للتلييس بل باليد مباشرة فيفرد الطين على الجدران الواحد تلو الآخر، ثم يفرد ما تبقى منه على أرض المنـزل لتلويقها أيضًا.
وهناك مراحل أخرى لم أشأ إفرادها كمراحل مستقلة لكونها لم تكن معممة على أغلبية المنازل، تقتصر على بيوت المشايخ أو من يتصفون بالثراء ولأنها تعتبر من الكماليات وليس من الضرورات، وهذه العملية يطلقون عليها محليًّا اصطلاح (القصة) وهي بمفهومنا الحالي الدهان أو طلاء البيت، فيقومون باقتلاع أحجار الجير (الجص أو النورة) من المقالع في أماكن معروفة من البلد، ويتم دق حجارة النورة ثم تخمر في براميل، وبعد مضي أربع وعشرين ساعة من تخميرها بالماء يقام بِرشِّها على الجدران أو حول الأبواب والنوافذ أو المتر السفلي من الجدار، وهذا حسب إمكانات صاحب المنـزل المادية ومكانته الاجتماعية بين عشيرته.
وتأتي بعد هذه المرحلة مرحلة أخرى وهي رسم بعض النقوش والرسوم الجدارية وغالبًا ما تكون على شكل حزام دائري بعرض 15سم، وتكون الرسوم عبارة عن مكعبات أو مربعات مائلة يرسم داخلها زهور أو أغصان أشجار أو خطوط عشوائية وغالبًا ما تكون تلك الرسوم بدائية وبألوان متباينة أشهرها الأخضر والأحمر والأزرق
.


[/S]
نشر بتاريخ 31-1-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة