المتنمّرون يدمّرون تنافسيّة مؤسستك..
محمد ابو ياسين
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع محمد ابو ياسين
ردود محمد ابو ياسين

المتنمّرون يدمّرون تنافسيّة مؤسستك..
اكتشفهم واقلع أنيابهم!



لينيا ماكورد وجون ريتشاردسون
(بتصرّف)






في ظلّ الاقتصاد العالميّ فائق التنافسية الذي لم تعد فيه منافسة مؤسسة معينةٍ محصورةً بنطاق الجغرافيا أو مجال العمل صار ممكناً بل وطبيعياً جداً بروز منافسين أشداء لم يحسب لهم حساب بروزاً صاعقاً بين ليلةٍ وضحاها.

وحتّى تنجح في البيئة الاقتصادية المعاصرة لا بدّ لأيّ مؤسسة من التمتّع بمقدرة تحفيز كل مستويات موظفيها على الابتكار وإلاّ فإنّها تترك تجريب الفرص واقتحام المخاطر لمنافسين أكثر منها رشاقةً وذكاءً وإبداعاً.
في بيئة عملٍ كهذه، يصبح التسامح مع التنمّر في مكان العمل أو تجاهله وتركه يستشري أحد أضمن الطرق المفتوحة لتدهور المؤسسات وفنائها.

لا يتوقّف أثر المتنمّرين عند إدناء الأداء وكبح الإبداع في أنحاء المؤسسة عموماً ولكنّهم في كثير من الأحيان يستهدفون أفضل موظفيّ المؤسسة لأنّ هؤلاء الموظفين المتميّزين تحديداً يمثّلون التهديد الحقيقيّ للمتنمّرين.


وهكذا تُسلب المؤسسة أحد أهمّ أصول وجودها ونجاحها في ظل الاقتصاد التنافسي المعاصر، إنّها تسلب رأسمالها البشريّ النفيس.


مشكلة التنمّر في مكان العمل هي أنّ كثيراً من المتنمّرين يصعب تمييزهم لأنّهم كثيراً ما يمارسون نشاطاتهم المخرّبة متخفّين وراء أقنعة الخلق الحسن والتعاون المخلص.


وبالرغم من أن موضوع التنمّر يحظى بمناقشاتٍ كثيرة وربما ينتهي الأمر في بعض البلاد إلى سنَ قوانين خاصة بتعريف سلوكيات التنمّر وردعها فإنّ مؤسسات الأعمال لا يمكنها احتمال تكلفة انتظار هذه التشريعات حتى تأتي وتفلح في إنهاء ظاهرة التنمّر.

حتّى يكتب للمؤسسات الاستمرار والازدهار لا بدّ لها من المبادرة إلى اجتثاث التنمّر قبل أن يخمد جذوة الابتكار والإنتاجية فيها، أو يطرد خيرة موظفيها طرداً ويسدّد ضربةً مدمرةً لمقدرتها التنافسية في بيئة العمل المعاصرة.

بناءً على مراجعة أبحاثٍ وكتاباتٍ حديثة في التنمّر في أمكنة العمل نقدّم في السطور التالية تذكراتٍ وإضاءات يرجى منها مساعدة المؤسسات في تعلّم كيفية تمييز المتنمّرين وإيجاد الطرق التي يمكن للمؤسسات اعتمادها من أجل معالجة سموم التنمّر وتحصين أنفسها منها.


كيف تشخّص سلوكيات التنمّر؟

يستخدم الباحثون الحديثون طرقاً مختلفةً في توصيف سلوكيات التنمّر، ولكنهم يتفقون على أنّ المتنمّر لا يكادُ يهتمّ بشيءٍ سوى فرض سلطته وسيطرته.

ولأن المتنمّرين جبناء تحرّكهم نوازع قلقٍ ومخاوف فشلٍ مستكنّة في أعماق نفوسهم فإنّهم يشنّون حرباً متعمّدةً خفيّة على خيرة موظّفي المؤسسة المتمتّعين بالمقدرات العالية والذكاء والإبداع والمبادئ السامية والقادرين على العمل مع الآخرين عملاً تضامنياً مثمراً والذين يتمتّعون بالاستقلالية ويرفضون الخنوع لسيطرة الآخرين.


يمكن أن يعمل المتنمّرون فرادى أو جماعات، ويظهرون تنمرّهم في كل المستويات التنظيمية، فقد يكون المتنمّر رئيساً أو تابعاً أو نظيراً أو زميلاً.
يتنمّر بعضهم تنمّراً مكشوفاً فترى منه رمي الأغراض بعنف أو صفق الأبواب أو الفجور في نوباتِ غضبه، أو تجاوز الحدود حيثما استطاع إلى درجة الوقاحة المهينة.

ولكنّ بعضهم الآخر يتبع سبلاً أكثر تعقيداً وخفاءً. فبينما يبدو على ظاهره التصرّف منطقياً وأخلاقياً يكون منغمساً في الحقيقة في حركاتٍ لئيمةٍ مزيّفة تغتال الشخصيات بجرعات السمّ المتراكمة اغتيالاً خفيّاً متدرّجاً.


إنّه يمارس الإذلال المتظاهر بالشفقة، وكلّ حين وآخر يتناثر منه تدخّل هنا وتعليق هناك.. وبينما يبدو كلُّ واحدٍ من تصرفاته الصغيرة المنعزلة تصرّفاً لا يؤبه له بذاته فإنّ جملة هذه التصرفات المتراكمة مع مرور الزمن تنشر السمّ نشراً في بيئة العمل المحيطة بالأشخاص المستهدفين.
التنمّر ليس مسألة "شخصيّةٍ صلبة" أو إصرارٍ على المعايير الرفيعة، بل هو مسألة امتهانٍ متعمّد مؤذٍ للآخرين.

والتنمّر ليس مسألة "تصادم الشخصيات" أو الطبائع المختلفة، أو سوء التفاهم أو اختلال التواصل.



أصناف المتنمّرين
من وجهة نظر الدكتور هورنستاين ينقسم المتنمّرون إلى ثلاثة أصناف:

1- "السبع"
الشرس المتمسّك بالهيمنة.. على أيّ شيء وبأيّ طريقة!
لا يهتمّ المنتمي إلى هذا الصنف إلاّ بفرض السلطة والهيمنة وحماية منطقة نفوذه.
- يحاول جعل الآخرين يشعرون بأنفسهم أقلّ قوّة
- يمكن أن يتصرّف تصرّفاً مباشراً (بالإهانة أو التلميحات الوقحة) أو غير مباشر (تدبير الوقائع بين الناس ثمّ التفرّج عليهم وهم يتبادلون الضربات والإهانات)
2- "الضبع"
المنتفخ بالشراسة نفخاً..
يعاني أصحاب هذا النمط من ضعف احترامهم لأنفسهم وهكذا يتمحور اهتمامهم على الحطِ من قدر المستهدفين ومن قيمة أعمالهم وخصالهم من خلال التصرفات والتعليقات المكشوفة أو المبطنة.

3- "الثعلب"
المراوغ اللاعب في الخفاء
- يهتمّون بأنفسهم وحسب
- يسهل إشعارهم بالتهديد واستفزازهم إلى المدافعة
- خبراء مهرة في الكذب والتضليل والخيانة
- يستولون على الفضل في أعمالٍ قام بها غيرهم، و يستحيل عليهم تحمّل المسؤولية عن أخطائهم
أساليب المتنمّرين
وحسب دراساتٍ نفسانية مختلفة أظهر الاستطلاع للباحثين الوقائع التالية في سلوك المتنمّرين:
يستخدم المتنمّرون عنصر المفاجأة والسريّة لاكتساب قوّةٍ ساحقة مضاعفة في مواجهة المستهدفين.
لا يحملون أيّ اهتمامٍ بالمقاربة والتلاقي مع الآخر في منتصف المسافة الفاصلة، وهكذا يغدو التفاوض مع المتنمّر جهداً عقيماً.
يمارسون العنف السيكولوجي ممارسةً روتينية منتظمةً ضدّ أفرادٍ معينين من أجل إلحاق الأذى بهم. وتتخذ ممارستهم هذا العنف المديد والمدمّر لاستقرار الضحايا العاطفي تتخذ أنماطاً مختلفة:

الانتقاد المتواصل
قطرة بعد قطرة ينفلق الحجر، وكلمةً سامّةً بعد كلمة.. يحترق البشر
- لا يوفّر فرصةً لإلقاء التعليقات الجارحة أو المهينة وانتقاص أقدار الناس ونبزهم بالألقاب الكريهة.
- لا يتوقّف عن انتقاد كفاءة الشخص المستهدف
- عندما يتحدّث الشخص المستهدف فإنّه يواجه بالتحديق المزعج في وجهه أو بالإشاحة المتعمّدة عنه حيثما نظر.
- إظهار ردة فعلٍ مستنكرة أو مستهينة تجاه مساهمات الشخص المستهدف ومن هذه الردّات التنهيدات المنغّمة الملغومة، أو تقطيب الجبين ولبس وجهٍ كأنّ صاحبه يتجرّع خلّاً حاذقاً ويتنشّق بيضاً فاسداً.
- تحميل الشخص المستهدف اللوم على أخطاءٍ مدبّرة أو مختلقةٍ اختلاقاً
- فرضُ مطالب عمل باهظة في مهلٍ زمنية تعجيزيّة

الأفعى ذات الرأسين
قولٌ كالعسل وفعلٌ كالأسل..
- يتظاهر هذا الصنف بأنه لطيف منصف يحمل في يدٍ وردةً، بينما تحمل يده الأخرى سماً ناقعاً يدمّر الشخص المستهدف. ويتقلّب تقلباً مستمراً فتجده شرساً ضارياً في لحظة ومتعاوناً معسول اللسان في اللحظة التالية.
- يحرص على عرقلة حصول الشخص المستهدف على كل الموارد اللازمة لنجاحه في عمله
- يوجّه للشخص المستهدف لساناً استفزازياً وقحاً جارحاً في السر، ويرتدي وجهاً ودوداً في حضور الآخرين. أو يصرّح في حضور المستهدفين بكلام ثم يصرّح بكلامٍ آخر في غيابهم.
- يدوس على من تحته ويركع لمن فوقه.
- يسلب فضل المنجزات والجهود التي يبذلها الآخرون

حارس البوابة
ربما لا أصل ولا أنجح.. ولكنّني بالتأكيد لا أريد لأحدٍ أن يصل أو ينجح..

- يقوم عمداً بعزل الشخص المستهدف عن دائرة التواصل وتبادل المعلومات وفرص التعاون.
- يتجاهل الشخص المستهدف أو يعامله معاملةً مهينة مسيئةً عن طريق الصمت والكفّ عن الأفعال الإيجابية وليس بالضرورة عن طريق الكلام والقيام بالأفعال السلبيّة (الإضرار السكوني).
- يبثّ بين الآخرين نمط العزل والإقصاء الذي يرسمه ويمارسه على الشخص المستهدف

القذيفة الدخانيّة الزاعقة
اكذب.. اصرخ.. ازعق.. أرهِب... في النهاية طوعاً أو كرهاً سيذعنون
- يسمّم مكان العمل بثورات الغضب المتفجّرة
- يهدّد ويرهب الآخرين بالتلميح والإشارة
- يسارع إلى مقاطعة الشخص المستهدف في الاجتماعات واللقاءات، كما يسارع إلى التشكيك بآراء وأفكار ومشاعر المستهدف أو الحط من قيمتها

التنمّر الجماعي:
ضباعٌ صغيرة تتبع ضباعاً كبيرة..
تتكوّن "عصبة البلطجيّة" ويحدث التنمّر الجماعي عندما يفلح متنمّر فعّال من خلال الغمز واللمز وإطلاق الشائعات والإهانات العلنية يفلح في خلق بيئةٍ عدائية تجابه الشخص المستهدف ويستقطب إليها آخرين ليشاركوا –قصداً أو من غير قصد- في المساعي الحاقدة المتواصلة لإجبار المستهدف على الخنوع أو مغادرة مكان العمل.

وبعد نجاح "عصبة البلطجيّة" في طرد المستهدف أو إجباره على تقديم استقالته فإنّها ترسم للضحية صورة الشخصية الناقصة المعتلّة المستحقّة لكل ما جرى لها.

إنّ تنامي "البلطجة الجماعيّة" في المؤسسات يشبه انبثاث الأورام الخبيثة في جسد الإنسان. تبدأ بخلية خبيثة واحدة ثمّ تنتشر مستخدمةً موارد المؤسسة ومستعمرةً خلاياها لتدمّر في النهاية أجهزتها الحيوية.

بلايا التنمّر..
لا تترك بناءً قائماً ولا بشراً سالماً
يتفق كل الباحثين والكتّاب على تسبب التنمّر بأذيّات جسدية خطيرة ومشاكل نفسيّة صعبة لدى المستهدفين ومن هذه الأذيّات: زعزعة أو تدمير الثقة بالنفس أو احترامها، ترسيخ القلق المرضيّ أو الاكتئاب والإحباط، إثارة اضطرابات واعتلالات جهاز الهضم، الصداع، الأرق، ضعف التركيز، الإدمان على الكحول أو المخدرات...

كيف تتخلّص من المتنمّرين في مؤسستك؟
لا يمكنك ترويض الضباع فكيف تطردها أو تقلع أنيابها؟
بالنظر إلى أنّ المتنمّرين يكونون في معظم الأحيان مهرةً في إخفاء بلطجتهم وراء قشرة من التعاون والمودّة يجب على المؤسسات تأسيس عملياتٍ وإجراءات محدّدة من أجل اكتشاف حقيقة ممارساتهم.

إنّ المتنمّر "أو البلطجيّ" العرَضيّ يمكن أن يعتذر ويقلع عندما يواجه بحقيقة ما يفعل، ولكنّ المتنمّر الذي يتابع مسيرةَ بلطجةٍ متعمّدةٍ يعتنقها اعتناقاً سوف ينكر ويكابر ويكرّر بلطجته حيثما استطاع.

لأنّ دوافع الخوف والقلق المستكنّة في الأعماق هي ما يحرّك المتنمّرين فإنّه يندر شفاء أحدهم ممّا هو فيه شفاءً جذرياً نهائياً، ويبقى في نطاق الإمكان السيطرةُ على سلوكهم أو إخماده في مكان العمل.

يبدأ استئصال سلوك التنمّر (أو البلطجة) في المؤسسة من القمّة، لأنّ رأس المؤسسة هو المسؤول عن نشر أجواء قبول أو رفض التنمّر في هذا المكان، وما المؤسّسة إلاّ تجسيدٌ لقيم قيادتها ومواقفها وتصرّفاتها.

إن القادة الذين يتجاهلون أنماط السلوك البلطجيّ المدمّرة (يسمحون بها) إنّما ينخرون نخراً في عافية مؤسساتهم ويفتحون أبواب الهرب أو النفي مشرعةً كي تتسرّب خيرة الموظفين الناجين بأرواحهم من تلك البيئة المحطّمة للنفوس والكابحة لإنتاجية البشر.

لاستئصال سلوكيات التنمّر (أو البلطجة) ينبغي على قيادات المؤسسات:
(1)
وضع سياسةٍ لمنع التنمّر "أو البلطجة" تقوم بتعريف سلوكات التنمّر، وتقدّم توصيفاتٍ عمليةً متعارفاً على سلامتها للمقبول وغير المقبول من السلوكات في مكان العمل.
وينبغي أن تتضمن مثل هذه السياسة بياناً يؤكّد مساندة المؤسسة لحق كل الموظفين في بيئة عمل خاليةٍ من البلطجة، فمثل هذا البيان سوف يقدّم لضحايا البلطجة سياقاً للتحرّك وطريقةً مثمرةً لمواجهة كلّ تكتيكات المتنمّرين.

(2) إجراء استطلاعاتٍ سابرة لمناخ المؤسسة من أجل استكشاف سلوكيات البلطجة فيها. ويشترط إرسال هذه الاستطلاعات إلى طرفٍ خارجيّ محايد تُضمن لديه المحافظة على السريّة، وما لم يُفعل ذلك فإنّ المشتركين في الاستطلاع لن يشعروا بحرية التعبير عن مشاعرهم الحقيقيّة.

(3) رسم عمليات (processes) للقيام بالتواصل والتحقيق والتوسّط بين الأطراف تضمن لمن يتبع هذه العمليات عدم التعرّض لانتقام المتنمّرين.

إنّ ممارسات التنمّر غالباً ما تجري بخداعٍ وتمويهٍ تلقائيّين يصعّبان وضع اليد عليها، ويجعلان تقديم الشكوى عمليةً غير مضمونة العواقب.

ويصدق هذا الأمرُ خصوصاً في الأماكن التي يصير فيها التنمّر جزءاً من ثقافة المؤسسة. يختار كثيرٌ من أصحاب المواهب الهرب إلى بيئاتِ عملٍ أحسن صحّة بدلاً من مصارعة "عصابات البلطجة"، ولذلك يغدو إصدار وتنفيذ بيان منع التنمّر وتعزيز سياسة الحماية من الانتقام مطلباً جوهريّاً مهمّاً جداً.

(4)
تدريب كلّ الموظفين لضمان وعي كل فرد لمسؤوليته عن التخلّق بسلوكٍ احترافيٍ عمليّ وراقٍ متحضّر. وقيام قيادة المؤسسة بغرس قاعدة "لا تسامح على الإطلاق مع سلوكيات التنمّر zero-tolerance " في مرحلة أقلمة وإدخال الموظّفين الجدد يمكن أن يفيد، كما ينبغي تعليم الموظفين كيفية استشعار أوّل مؤشّرات التنمّر الفرديّة أو الجماعيّة.


نشر بتاريخ 28-1-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة