التبادليّة: المعروف بالمعروف والبادئ أربح
محمد ابو ياسين
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع محمد ابو ياسين
ردود محمد ابو ياسين

التبادليّة: المعروف بالمعروف والبادئ أربح
قوانين السلوك
ليست حلولاً للمشكلات وحسب بل هي مناجمُ للفرص
لا يقتصر علم النفس على دراسة ومعالجة الحالات المشكلة في السلوك. بل كعلمٍ حديث، ينطلق علم النفس إلى استكشاف القوانين العامة الناظمة للسلوك البشري في كل أحواله الطبيعية. وهكذا يتضمن ميدان علم النفس نطاقاً هائل الاتساع يشمل ميادين مختلفة تتنوّع وتمتدّ من تحليل السلوك الطفوليّ إلى تحليل سلوك المبيعات، ومن تحليل السلوك في المؤسسات والتجمعات البشرية المختلفة إلى دراسة عوامل الحرب والسلم بين الأمم.

لا تبدو قوانين السلوك واضحةً وضوحاً مطلقاً في كل حين، والتساؤل عن أسباب اتباع الإنسان مسلكاً معيناً دون غيره يفتح افتراضات مختلفة كل يوم. ومهمة علماء النفس هي أن يتولّوا تمحيص الإجابات الكثيرة الممكنة باستخدام أساليب العلم الحديث. ومن هذه الأساليب التجارب المضبوطة والاستبانات. تشتقّ هذه الأساليب من ممارسات علوم الطبيعة والبيولوجيا، وهي مع ذلك تثبت جدواها في تجميع وتحليل المعارف الخاصة بالبشر وسلوكهم وخصوصاً لدى باحثي علم النفس الاجتماعي.

القوانين العشرة المحوريةّ:
من بين القوانين السيكولوجية الكثيرة، سنقدّم في مجموعة المقالات التالية عشرة قوانين تمّ اختيارها بناءً على وثاقة ارتباطها وأهميتها الخاصة في ممارسات البيع المختلفة. وقد تمّ ترتيب فقرات المقالة وتناولها لكل قانون على النحو التالي:

- توصيف بسيط للقانون، يليه عرض لتجربة أو تجارب سيكولوجية، وملاحظات، ودراسات، واستبيانات. إنّ معظم الأمثلة ودراسات الحالة مستمدّ من ميدان علم النفس الاجتماعي، ولكن هناك أيضاً الكثير من التجارب والأمثلة المأخوذة من ميادين سلوك المستهلك، وعلم النفس الإدراكي، وعلم النفس السريري.

- وبعد ذلك نعرض جوهر ما تفيدنا به التجارب والملاحظات ونقدّمه بصيغته كقانونٍ سيكولوجيّ أساسي.

- وفي الخطوة الأخيرة نرى تطبيق هذا القانون في عالم البيع من تفاعل وتفاوض بين البشر. ويعني هذا أنّ الفائدة العملية لفهم هذا القانون ومراعاته ستوضّح بأمثلة من ممارسات البيع الواقعية من أجل تعميق الأفكار وتوليد المزيد منها.

القانون الأول:
قانون التبادليّة reciprocity – الحاجة إلى ردّ الجميل
نتناول في هذه الفقرة حاجةً نفسيةً يشعر بها كل البشر، إنها الحاجة إلى الاعتراف بالجميل وردّه. تتلقّى هديةً من جارك وما إن تستقرّ في يدك حتى تمتزج الفرحة بالتفكير في طريقةٍ لمقابلة الهدية بما يليق بها..

درس الباحثون السيكولوجيون هذه الحاجة، ومن أبحاثهم توصّلوا إلى قانون التبادلية.

تقرير دراسة سلوكية
أجرى عالم سلوكي التجربة الصغيرة التالية: أرسل بطاقات تهنئة بأحد الأعياد إلى مجموعةٍ من الغرباء الذين لا يعرفون المرسل على الإطلاق. كان الباحث يتوقّع استجابةً معينة، ولكنّ درجة الاستجابة التي تلقّاها في الواقع أدهشته، لقد تلقّى أكداسَ بطاقات تهنئة من أناس لا يعرفونه!

لمَ أرسل هؤلاء بطاقات التهنئة لشخصٍ لا يعرفونه؟.. نعم، كانوا يريدون ردّ الجميل.

وبيّنت تجربة أخرى تفاصيل هذه الحاجة بدقة أكبر:
في هذه التجربة كان على طلبة الفنون الحكم على جودة لوحاتٍ مختلفة. وقدّم لهم شخصٌ كي يساعدهم في عملهم (وكان ذلك الشخص مساعد الباحث مدير التجربة أيضاً وهم لا يعرفون ذلك طبعاً). خلال التجربة كان ذلك المساعد يتطوّع من تلقاء نفسه فيقدّم للطلاب خدماتٍ بسيطة لطيفة من قبيل شراء علبة عصير بارد أثناء الاستراحة..

بعد انتهاء جولة تقييم اللوحات، طلب المساعد من الطلاب معروفاً: سألهم أن يشتروا قسائم "اليانصيب - لوتري" منه. قال لهم إنّه يبيع هذه القسائم حتى يجمّع ثمن سيارة جديدة. وفي النهاية تبيّن أنّ الطلّاب الذين سبق لهذا الشخص أن قدّم لهم معروفاً اشتروا من القسائم ضعف ما اشتراه غيرهم من الذين لم يقدم لهم شيئاً. كان أفراد المجموعة الأولى يشعرون بأنّهم مدينون لذلك الشخص.

بعد ذلك كان أمام هذه التجربة الإجابة على سؤالٍ آخر:
ما علاقة وتأثير استلطاف أو إعجاب المرء بإنسان آخر على ميله لإجابة طلباته؟

وهكذا وزّع مدير التجربة على الطلبة استباناتٍ تفحص بالتفصيل مدى استلطافهم أو إعجابهم بالمساعد. وكما هو متوقّع كان مقدار شراء القسائم الأكبر متصلاً بالإعجاب بهذا المساعد بدرجةٍ أكبر.

ولدى الطلّاب الذين تلقّوا معروفاً من هذا المساعد (علبة عصير) لم يكن العامل الأكثر تأثيراً في شراء القسائم منه إعجابهم به أو عدم إعجابهم وإنّما كان شعورهم بواجب رد الجميل الذي بادر إلى تقديمه لهم.

آثار التبادلية في حياة البشر
- التآلف والانسجام conforming:
يصف عالم النفس روبرت كيالديني الحاجة إلى رد الجميل (قانون التبادلية The law of reciprocity) بالقانون الأساسي للمجتمع الإنساني. ونراه يتحدّث عنه بوصفه "ناظماً اجتماعياً" يحكم عملية التفاعل بين أفراد البشر. ويرى باحثو تاريخ الحضارات الإنسانية هذا "الشعور بالواجب" كآلية مطاوعة وتآلف وتناغم ممتازة تتيح قيام المجتمعات البشرية بناءً على سلسلةٍ من علاقات الاعتماد التبادلية.

- الإيمان بالمستقبل
إن تطلّع البشر إلى المستقبل له علاقة مهمّة مع هذا الشعور بالواجب أو الامتنان. فهكذا نرى أنّ من يقدم للآخرين جزءاً مهماً من ممتلكاته دون أن يعاني آلام خسارته الشخصية نتيجةً لذلك، إنّما يفعل ذلك اعتماداً على حقيقة أنّ من قدمت له المساعدة الآن سيأتي وقتٌ في المستقبل ويقدّم هو المساعدة والدعم لهم أو لمن حولهم.

- الأخذ والعطاء
يستمد المجتمع البشري فوائد هائلةً من قاعدة الاعتمادية المتبادلة هذه. فمن خلال تنشئته أطفاله يضمن المجتمع البشريّ تآلف الأفراد مع هذه القاعدة منذ نعومة أظفارهم كما يضمن استمرار ممارستهم لها وإيمانهم بها. ويعرف الجميع العقوبات الاجتماعية المطبقة على من ينتهكون قاعدة"الأخذ والعطاء" وكيف يميّزون في معظم المجتمعات بألقاب كريهة مخجلة.

إن التأثير العارم المميز لقانون "التبادلية" يكمن في حقيقة أنّه ليس الأصدقاء وحدهم هم الذين تتضاعف فرص حصولهم على ما يريدون من الآخرين لقاء خدماتٍ سابقة وإنّما يمتد هذا الأثر ليطال حتّى من لا يحظون بإعجابنا. وحتّى الهدايا التي لا نرجو الحصول عليها أصلاً تبقى قادرةً على أن توقد فينا نحن البشر مشاعر الامتنان ووجوب رد الجميل.

من تطبيقات "التبادليّة" في ممارسات البيع
- لا سبيل إلى الهرب! الإنسان عبد الإحسان
توضح ملاحظة جرت في أحد المولات الأثر الفعّال لقانون "التبادلية". في هذا الملاحظة رأينا حلقةً كبيرةً من الناس يحتشدون حول ستاند الاختبار حيث كانت تقدّم للزائر كأس شراب أو قطعة جبن كجزء من عرض ترويجيّ.

كان الناس خائفين من الالتزام بشراء شيءٍ ما، وهم محقّون في ذلك! بل في الواقع انتهى الأمر بكثير من الحاضرين الذين لم يتذوّقوا العينات المجانية إلى شراء زجاجة شراب أو علبة جبنة صغيرة (كانوا يتفرّجون على تقديم المعروف!). وعددٌ قليلٌ وحسب من الذين حصلوا على نماذج المنتجات المجانية غادروا المكان دون أن يشتروا شيئاً.

- والمتاجر التي تقدم لزبائنها القهوة مجاناً مثالٌ آخر على عمل "التبادلية". في هذه المتاجر لا يدفع المتسوّقون شيئاً مقابل القهوة بل ويحصلون على هدية أيضاً، وبسبب مشاعر الامتنان ووجوب رد الجميل فإنّهم يشترون كثيراً خلال زيارتهم أملاً في تغطية تكلفة القهوة والهدايا المجانية.

تبيّن الأمثلة السابقة كيف يمكن للمرء استثمار قانون "التبادلية" السيكولوجيّ في المبيعات:
هدايا صغيرة في هيئة نماذج وتجارب مجانية، بطاقات صور مميزة، مقتطفات مجانية من مجلة تخصصية، دعوات إلى المعارض التجارية، الإعلام بتفاصيل الأحداث الفنية والاجتماعية.. هذه كلّها أشياء بسيطة تولّد في العملاء مشاعر الامتنان ووجوب مكافأة المعروف.

- مندوب المبيعات الرابح موزّع هدايا ناجح
لا حاجة لأن تكون الهدية التي يقدمها مندوب المبيعات شيئاً استثنائياً. فعلي سبيل المثال يمكنه أن يعرض أمام العميل تقديراً للكفاءة الاقتصادية، أو خطة ترويج للمبيعات ويقترح على العميل الاستفادة منها. أو يمكن أن يعرض استعداده لتقديم المعونة شخصياً في تنفيذ الجرد أو التسعير.

وبناءً على ما كشفه العلم من تأثير التبادلية في الإنسان ينبغي على مندوب المبيعات:
- أن يبادر إلى تقديم عروض بيع إضافية في حال تقبّله تجزيء العميل للعرض الأساسي وكان بذلك القبول يسدي خدمةً للعميل.
- أن يقدم عروضاً أصغر إن رفض العميل الشراء وأوصدت الأبواب نهائياً في وجه الطلبيّات الكبيرة.
- اعرض على العميل بيعه عتاداً برمجياً "سوفت وير" إن رفض شراء ما كنت تعرضه أصلاً من عتاد مادي "هارد وير".
نشر بتاريخ 28-1-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة