جاذبية الندرة: كيف يصبح التراب ذهباً؟
محمد ابو ياسين
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع محمد ابو ياسين
ردود محمد ابو ياسين

جاذبية الندرة: كيف يصبح التراب ذهباً؟
القانون الثاني:
جاذبية الندرة: تتصاعد قيمة المنتج مع تناقص المعروض منه فعلاً أو تصوّراً

"كلّما اشتدّ تمسّكنا بالشيء وتغلغلت الحاجة إليه في أعماقنا كلّما ازداد شكّنا في امتلاكه حقاً وازداد خوفنا من أن يخطفه أحدٌ منّا.."

إنّ الأشياء التي يرى الناس موردها شحيحاً أو مهدداً بأن يصبح شحيحاً تكتسب في أنظارهم قيمةً خاصةً وجاذبيّة. نبيّن في السطور التالية لماذا وكيف يحدث ذلك ونبيّن كيفية تأثير هذه الخاصية في عالم المبيعات.

مبادئ الندرة وتفاعلاتها:
في السطور التالية عزيز القارئ نلقي نظرةً على مبادئ الندرة scarcity من خلال تجارب قام بها الدارسون تحت إشراف خبير علم النفس الاجتماعي وأستاذ التسويق روبرت كيالديني:

يحرّكنا في الحاصر نقص قد يأتي به الغيب..
في إحدى شركات استيراد لحم البقر قُدّمت المنتجات لمجموعة الزبائن الأولى دون أي تغيير. وأمّا زبائن المجموعة الثانية فقد أُخبروا بأنّ واردات اللحم خلال الأشهر القادمة ستكون قليلة. وأمّا زبائن المجموعة الثالثة فقد أخبروا بشحّ الواردات إضافةً إلى إخبارهم بأنّ معلومات هذا الشحّ المحتمل لا يدري بها الجميع.

والنتيجة؟ اشترى زبائن المجموعة الثانية أكثر من ضعف ما اشتراه زبائن المجموعة الأولى، وأمّا زبائن المجموعة الثالثة فقد تجاوزوا كل التوقعات واشتروا ستة أضعاف الكمّيات التي اشتراها زبائن المجموعة الأولى.

والنقص من بعد وفرة أشدّ تأثيراً..
تجربةٌ ثانية من تجارب كيالديني تبيّن لنا آليةً أخرى من آليات تأثير الندرة:
نفّذت التجربة على مجموعاتٍ من المشاركين الذين يطلب منهم تذوّق عيناتٍ من البسكوت وتقييم جودتها.
تلقّت مجموعةٌ من المشاركين عيناتِ البسكوت في أوعية مليئة، وعاء لكل شخص.
وأمّا المجموعة الثانية فلم يحصل فيها كل شخص إلاّ على قطعتين من البسكوت.
وحسب المتوقّع بناءً على مبدأ الندرة فقد تلقّت الكمّيات الأقل من البسكوت تقييماتٍ أعلى من تقييمات الكمّيات الكبيرة.

وفي جولة ثانية ضمن التجربة تم تغيير الإجراءات:
- بعض المشاركين قدّم لهم في البداية أوعية بسكوت مليئة، وبعدئذٍ أصبحوا يتلقون أوعيةً فيها قطعتان من البسكوت وحسب.
من خلال هذا التغيير كان الباحثون يريدون بحث مسألةٍ مهمّة في موضوع الندرة: ألا تصبح الأشياء أكثر قيمةً عندما يكون شحّها طارئاً من بعد وفرة ولا يكون واقعاً مألوفاً منذ البداية؟
كانت النتيجة واضحة: عيّنات البسكوت التي أصبحت شحيحةً من بعد وفرة تلقّت تقييماتٍ أعلى من العيّنات التي كانت شحيحةً منذ البداية.

التفوّق على الآخرين
جانبٌ آخر جديرٌ بالاهتمام في موضوع الندرة هو رد الفعل تجاه السبب الذي تنسب الندرة إليه.
قيل لبعض المشاركين في تجارب تقييم البسكوت إنّ عليهم تقديم جزءٍ ممّا لديهم لمشاركين آخرين، بينما قيل لآخرين إنّهم حصلوا على كمّيات البسكوت القليلة بسببٍ خطأٍ في إعداد وتوزيع أوعية البسكوت.

المجموعة الأولى التي أصبحت كمية البسكوت لديها قليلةً بسبب الطلب "الاجتماعي" أعطت للبسكوت تقييماتٍ أعلى من تقييمات المجموعات الأخرى. ويبيّن هذا الاختلاف جانباً مهمّاً من جوانب مبدأ الندرة هو: الرغبة الاجتماعية في التفوّق على الآخرين.

تعبئة الدوافع
كيف يتفرّع عن قانون الندرة هذا القدر الكبير من التفاعلات المؤثّرة التأثير في حياة البشر؟ إننا لا نلمس أثر الندرة في شؤون البيع والشراء وحسب، بل نرى تأثيره العارم في ممارسات هواة جمع الأشياء المختلفة، فكلّما كان الشيء نادراً مثل قطعة عملة أو طابع.. كلّما ازدادت قيمته.

المُراكسة reactance (السعي للممنوع تحدّياً للمنع)
تقدّم نظرية "المُراكَسة reactance –أي الممانعة وزيادة الإقدام على المنهيّ عنه لترسيخ حرية الاختيار-" توصيفاً لأثر الندرة هذا فتقول: عندما يبدو للمرء أنّ حريّة اختياره مكبّلة أو مهدّدة فإنّ دافع التشبّث بالحريّة يُعبّأ (يستنفر ويتحرّك) ويصوغ خبير علم النفس الاجتماعي إيرله Irle هذه الفكرة هكذا:
"إنّ تهديد نطاق حرية الفرد أو تكبيل هذه الحريّة يطلق لديه محرّكاً motive للدفاع وإعادة ترسيخ الحريّة. ويصبح دافع الارتكاس هذا أعظم شدةً كلّما عظمت الأهمّية التي يراها المرء لنطاق حرّيته الملموس فعلاً"

وبكلمات أخرى: يتناسب اندفاع المرء في صيانة حريته طرداً مع شعوره بأهميتها، وذلك على غرار الصحّة الجسدية التي يقدّرها حق قدرها ويجتهد في صيانتها حق الاجتهاد من كان يعيشُ حياةً ناجحةً سعيدة بفضلها.

تصعيد شدّة المشاعر.. تواري المنطق وتغيّر الأولويّات:
معاناة التطلّع والسعي إلى شيء صعب المنال تجعل الإنسان متوتراً متأهباً جسدياً. والمنافسة المباشرة ترفع ضغط الدم وتزيد حدّة المشاعر، وإلى جانب ذلك يُكبت صوت العقلانية والمنطق. إنّ ردّ الفعل أو الاستجابة عاطفياً تعني أنّ عمليات تفكير المرء الإدراكية تغدو كلّها متمحورةً على عامل الندرة. وهكذا نرى الإنسان في ميدان البيع لا يكاد يفكّر إلاّ في الصفقة النهائية.


مثال:
من الدوافع المهمّة في الشراء:
ما السلوك البشريّ إلاّ تجسيدٌ لدوافع كامنة. وعلى مرّ السنين كان علماء النفس وما يزالون يكتشفون ويصنّفون طيفاً متكاملاً من هذه الدوافع. وقد قام خبير المبيعات يان فاغه بترتيب القائمة التالية من أهمّ دوافع الشراء:
• محرّكات الحفاظ على الذات و الغرائز الجنسية لا تظهر بوضوح كاف. إنّ دوافع الشراء كثيراً ما تفهم بمعنى صيانة الذات اقتصادياً، ولكن هناك استثناءات مثل: الملابس والسيارات وأدوات الرياضة.
• الحاجة إلى المتعة والسرور يمكن أن تكون لدى بعض العملاء ذات تأثير استثنائيّ هائل، وفي التعامل مع هؤلاء يغدو تركيز عبارات الإقناع على السرور نصيحةً ذهبيّة.
• دوافع التملّك والجمع تترابط وتتداخل مع دوافع الربح.
• الحاجة إلى الأمن والحماية تؤدّي أحياناً إلى تفكير نفقيّ جامد معتمدٍ على المبادئ السائدة زمنياً.
• الحاجة إلى الراحة والطمأنينة تعمل جنباً إلى جنب مع الحاجة إلى الأمان، وتوق الإنسان إلى التواصل وأن يحبّ ويحبّه الآخرون يتفرّع ويتغلغل، وهذا ما يجعل كثيراً من الناس يلتزمون الفرق والمجتمعات.
• محرّكات المجابهة والدفاع تنشأ لدى العملاء الذين لا يطمئنّون للبائع.
• دوافع الاستقلالية والحريّة تبدو مرتبطةً بالحاجة إلى التقدير والتفوّق. وتلاحظ هذه الدوافع خصوصاً لدى العملاء أصحاب المناصب الرفيعة.
• دوافع الفضول والاستكشاف مشابهةٌ لدوافع اللعب والنشاط. وهكذا يخاطب كثيرٌ من الهدايا الدعائية الطفل الكامن في كل مشترٍ. وكثيرٌ من البائعين الذين يتيحون لعملائهم المشاركة في استعراض المنتج يسخّرون هذا الدافع لمصلحتهم.
• يحتفظ كثير من البالغين بمحرّكات التقليد والتقمّص الطفوليّة
• حاجة "المَنطقة" rationalization (أو التبرير) تعني أنّ البشر يميلون إلى تغطية دوافعهم الحقيقيّة.
• وأخيراً وليس آخراً نشير إلى دافعٍ عظيمٍ (لله الحمدُ على خلقه فينا) ألا وهو دافع القيام بالواجب.

يترابط ويتراكب كثير من هذه الدوافع مع الدوافع الأخرى، ولا يبدو أثر كلٍ منها بوضوح للعامل في حقل البيع والشراء. وبالنظر إلى أهميّة الدوافع في تقرير السلوك والتفاعل والنتائج فإنّ قدراً معيناً من معرفة الطبيعة البشرية وفهمها يصبح مطلباً لازماً للنجاح في نقر الأوتار المؤثّرة الصحيحة لدى كل عميل.

تطبيقات عامل الندرة في مفاوضات البيع:
أليس مألوفاً لديك أن ترى وسيط العقارات يتصل بالعميل المهتمّ ويخبره أنّ هناك عميلاً آخر مهتماً أشدّ الاهتمام بشراء العقار ذاته؟ وألا ترى كيف يتمّ تقديم هذا العميل الآخر على أنّه مقتدر ثريّ؟

أجل! إنّ هذا الوسيط لا يكتفي بالعزف على وتر الندرة والتخويف من ضياع فرصة الاختيار النادرة، بل هو يركّز على أن يستنفر لدى العميل المعنيّ دافع الظهور بمظهر الميسور المقتدر وإثبات التفوّق في مواجهة المنافس المزعوم، وهذه أمورٌ تساهم في تعزيز قرار الشراء وتسرّعه.

الفرصة المحدودة زمنياً أثمن!
بالإضافة إلى أسلوب " التحدّي وإثبات التفوّق على المنافسة" يفضّل البيّاعون استخدام أسلوب "الفرصة المحدودة زمنياً" فتراهم يعيّنون موعداً لا يمكن للزبون الشراء بعده. وعلى هذا المنوال نرى مندوبي البيع المباشر الأقوياء يقولون للعميل "عفواً يا سيدي، الاتصال بنا وتقديم خدماتنا لكم غير ممكنٍ إلاّ اليوم!" إنّهم يريدون جعل العميل يعتقد بأنّه لن يجد فرصةَ لشراء المنتج في وقتٍ لاحق. وبالإضافة إلى ذلك ينقر الحدّ الزمني على وتر حاجة الإنسان إلى اتخاذ القرار والظهور بمظهر المسيطر.

الحساسية ضدّ الطلب:
يمكن أن يؤدّي الطلب المباشر ومحاولات الإقناع والإغراء الملحّة على الزبون إلى إثارة "الحساسية ضدّ الطلب appeal allergy" إنّ العميل المتحسّس يرفض الشراء الآن رفضاً نهائياً مطلقاً، إنّه يحسّ بالطلب وكأنّه اقتحامٌ ينتهك انتهاكاً حرية اختياره الشخصية. وبالنظر إلى نقطة الحساسية هذه يبدو من الأفضل والأذكى عدم الضغط على الزبون بالحدّ الزمني واستبدال ذلك بتحفيزه على الشراء اعتماداً على كمية المنتج المحدودة.


نشر بتاريخ 28-1-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة