الراحةٌ لعملائكم والربح لكم!
محمد ابو ياسين
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع محمد ابو ياسين
ردود محمد ابو ياسين

الراحةٌ لعملائكم والربح لكم!




عزيزي القارئ:
رأينا في الحلقتين الماضيتين من هذه السلسلة أهمّية الاطلاع على قوانين السلوك ومعارف علم النفس لاكتشاف وصنع الفرص وليس لحل المشكلات وحسب.

اضغط هنا للاطلاع على الحلقة السابقة

وبالرغم من أنّ انتقاء مجموعة القوانين التي تتناولها هذه السلسة يتمحور على ممارسات عالم البيع والتفاوض والأعمال فإنّ المتابع لهذه المقالات سيرى القيمة الكبيرة لتفهّم هذه القوانين في كل جوانب الحياة.

بعد أن تناولنا قانوني التبادلية، وجاذبية الندرة نتابع اليوم مع القانون الثالث:
القانون الثالث:
الاتساق consistency:
"في هذا العالم يساوي كل إنسان ما يصنع من نفسه"
يرى ويسمع كل إنسان صوراً يومية من تناقضات وتقلّبات صغيرة مثل إبرام المواعيد ثم إخلافها باستخفاف، ورغم ذلك –أو بفضله ربما- يطمع كل إنسان في أن يكون متسقاً مستقراً، فاتساق السلوك يبقى خصلةً محترمةً تعتبر تجسيداً رفيعاً لخصالٍ وعناصر إيجابية قيّمة مثل المنطق، والفطرة السليمة، والكياسة.

وفي كثيرٍ من الأحيان يخضع البشر لرغبتهم وحاجتهم إلى الظهور ثابتين متسقين على الدوام، وهكذا نرى من يشتري سيارةً لا تصلح إلاّ لمعمل صهر الخردة يظلّ يقول بجرأة وقوّة لقد كانت صفقةً موفّقة! أجل إنّه ككل البشر يحاول التملّص من أفكار المراجعة المرّة الشائكة ويتشبّث بالقرارات التي اتخذها.

أمثلة سلوكية على طلب الاتساق:
• وجد الباحثان النفسانيان الكنديان نوكس وإنكستر أنّ ثقة الناس في فوز حصانٍ معيّن بالسباق تصبح بعد أن يراهنوا عليه أكبر من ثقتهم في فوزه من قبل أن يراهنوا عليه.

بعد إقدام الإنسان على أيّ اختيار فإنّه يسخّر كل وسيلةٍ ممكنة لتبرير ذلك الاختيار وتعزيزه.

• وعندما واجه بعضُ مصنّعي الألعاب في أمريكا مشكلة انحدار المبيعات الدائم بعد فترة عيد الميلاد، ماذا فعلوا؟ كيف سخّروا حاجة البشر إلى اتساق المبادئ واستقرار التصرفات؟

قاموا بتصعيد حملات الترويج لمنتجاتٍ معيّنة في فترة الاقتراب من عيد الميلاد ولكنّهم لم يزوّدوا المتاجر إلاّ بكميات محدودة منها.

كان الأطفال يطالبون والديهم بشراء تلك المنتجات لهم في فترة العيد وكان الآباء والأمهات يتعهّدون بذلك، وبسبب قلّة الكميات المعروضة فإنّ أعداداً كبيرةً منهم لم تستطع الوفاء بتلك التعهدات واضطرت إلى شراء ألعابٍ أخرى...

وبعد عيد الميلاد ظهرت في المتاجر من جديد كمياتٌ كافية من المنتجات المعلن عنها وأقبل الآباء على شرائها –فوق شرائهم الهدايا التي قدموها في العيد- حتّى لا يخيّبوا آمال أطفالهم وكذلك حتّى لا يبدوا في نظر أنفسهم متقلّبين ناكثين.

لقد سخّر هؤلاء المصنّعون الأذكياء تعلّق البشر باستقرار السلوك وانسجام القيم تسخيراً مربحاً -بغض النظر عن التحفظات والشكوك المختلفة في صحّة تلك الممارسة-

التخلّص من التوتّر
إنهاء التضارب الإدراكي cognitive dicord
أقام الباحث ليون فيستنغر نظريته على افتراض أنّ كل واحدٍ من البشر يسعى سعياً حثيثاً إلى إيجاد أرضيةٍ مشتركة بين المواقف والأفكار المختلفة، وسمّى الباحث هذه المواقف والأفكار "العناصر الإدراكية cognitive elements". تمتدّ بين هذه العناصر علاقاتُ تناغم وتضارب، ويدفع هذا الاحتكاك والتصادم الفرد دفعاً فطرياً إلى التخلّص من العناصر المتضاربة.

وضمن بحثه أجرى فسيتنغر هذه التجربة الشهيرة:
طُلب من مجموعة المختبرين القيام بمهمّة مضجرة مدة ساعةٍ كاملة. وبعدئذٍ طُلب منهم أن يخبروا مشاركين جدداً أن المهمّة ممتعة جداً (أي طلب منهم أن يخدعوا).

ولقاء خداعهم المشاركين الجدد تلقّى هؤلاء مكافآتٍ نقدية، تلقّى بعضهم مكافآت دسمة وتلقى بعضهم الآخر مكافآت هزيلة.

بدهياً، يفترض المرء أنّ من تلقّوا مكافآتٍ هزيلة سوف يكونون الأقرب إلى الحطّ من شأن التجربة والتنفير منها إلاّ أنّ النتيجة كانت مغايرةً تماماً:
هؤلاء الذين تلقّوا مكافآت هزيلةً صاروا يجدون التجربة ممتعةً بينما أولئك الذين تلقّوا مكافآتٍ دسمةً كانوا يجدونها مضجرةً حقاً. فما السبب؟
إنّه ألمُ التناقض الداخليّ!

إنّ من كانوا يتلقّون مكافآتٍ أقلّ كانوا يعانون تناقضاً إدراكياً أشدّ. الكذب من أجل دولارٍ واحدٍ كان يبدو عملاً أشدّ دناءة، ومن أجل تقليص هذا التناقض مالَ هؤلاء إلى تصديق الكذبة أو الخدعة، والتجربة المضجرة صارت في عيون ذكرياتهم تجربةً ممتعة!

بيّنت تجربة فيستنجر بوضوح أهميّة إيجاد الاتساق (أو الانسجام) consistency والحفاظ عليه (التناغم الداخليّ) لدى الإنسان، وهو ما يعني التخلّص بأي طريقة من التوتّرات الداخلية الناجمة عن الإدراكات المتضاربة.

من تطبيقات قانون الاتساق في عالم المبيعات:
يمكن أن تسخّر حاجة الناس إلى تحقيق الاتساق أو الانسجام بطرقٍ مختلفة:

جعل العميل يتصرّف.. يمدّ يده إلى جيبه
يلتزم بنفسه ويمضي حتّى النهاية
بعض الشركات التي تعاني نسبةً كبيرةً من إجهاض الصفقات تقوم بتنبيه مندوبيها إلى ضرورة التوقّف عن إملاء الطلبات والعقود بأنفسهم وترك العملاء يقومون بذلك. وبعدئذٍ لوحظ تراجع نسبة إلغاء التعاملات. فلماذا؟

لأنّ إملاء العميل الطلب بنفسه يجعله يشعر بهذه الخطوة وكأنّها تعهّد يلزمه بالمتابعة حتى النهاية. مثل كلّ البشر يريد العملاء إقرار الانسجام في أنفسهم ومع أنفسهم ولذلك فإنّهم يلتزمون بطلبات الشراء التي ملؤوها بأيديهم.

الأهداف والنوايا المكتوبة أضمن تحقيقاً.. فلماذا؟
في عيادات الحميات الغذائية، تدوّن الغايات والأوزان المستهدفة لكل شخص تدويناً وتعمّم هذه المعلومات على أفراد المجموعة.

كل من لا يريد الظهور بمظهر الناكث أو الناشز لن يجد خياراً سوى الالتزام بالخطوات المقررة. وتدوين الأهداف يفرض على الإنسان ضغطاً أخلاقياً إضافياً فلا يمكن للمريض أن يتجاهل تلك الأهداف ثمّ يعذر نفسه ببساطة قائلاً: آه لقد نسيت!

وعلى المنوال ذاته يُنصح بتدوين تعليقات وملاحظات العملاء ومتابعة مناقشتهم على ضوئها. مثلاً: في بداية مفاوضة البيع إن افتتح العميل حديثه بالقول: "إنني أسعى دائماً إلى أعلى جودة ممكنة.." فإنّه يعطيك بدايةَ الخط الذي ستستمر عليه مناقشته، ولن يكون بإمكانه الاعتماد على اعتراضات حول الأسعار خلال التفاوض.
نشر بتاريخ 28-1-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة