صراع الإدارات عند تسعير المنتجات
محمد ابو ياسين
مشترك منذ 10-1-2012
مواضيع محمد ابو ياسين
ردود محمد ابو ياسين
صراع الإدارات عند تسعير المنتجات


د. سعيد بن على العضاضي

تقوى شركات وتتألق وتفنى أخرى وتنهار نتيجة قدرتها على تحديد وإدارة الأسعار.

السعر يعد الميزة التنافسية للشركات والأداة المهمة للاستمرار والبقاء.

إن المنظمات التي تدرك أهمية الأسعار ومدى انعكاسها على الأداء الكلي للشركة تتضافر إداراتها وتتعاون أقسامها في سبيل تحديد السعر المناسب للمنتج النهائي، وكل يؤدي دوره في تناغم وانسياب، فالهدف واحد والمنفعة واحدة والرسالة واحدة.

أما الشركات التي تجهل مثل هذا الأمر فتظل إداراتها وأقسامها في صراع وعراك من أجل الظفر بمهمة تحديد وإدارة الأسعار متجاهلة في ذلك كثيرا من الطرق العلمية والنظريات الإدارية التي تنظم مثل هذه الأمور. ونريد في هذا المقال أن نلقي الضوء على صراع الإدارات عند تسعير المنتجات والطرق الشائعة للتسعير.

حتى نصل إلى ذلك نريد في البداية أن نتعرف على البنية التحتية لتحديد الأسعار، أي العوامل الأساسية التي تتخذها الشركات عند تحديد الأسعار على سبيل المثال:
ما الجهة المعنية بتسعير السلع والخدمات في الشركات؟
وما الطرق العامة لتسعير المنتجات؟
وما استراتيجيات تسعير خليط المنتجات؟
وأخيرا التعرف على كيفية ضبط وتعديل السعر، وكي نغطي كل هذا نحتاج إلى عدة مقالات.

رغم أن أدبيات إدارة الأعمال تصنف التسعير كإحدى الوظائف الأساسية لإدارة التسويق، إضافة إلى المنتج، التوزيع (النقل)، والترويج، إلا أن الواقع ينقل لنا بعض المغالطات نتيجة الجهل وعدم مراعاة الطرق العلمية لمبادئ إدارة الأعمال.

المحاسبة على سبيل المثال ربما تتدخل أحيانا في مهمة تحديد السعر، وتتذرع بأن تحديد السعر يحتاج إلى معرفة التكاليف الثابتة والمتغيرة التي هي من صلب مهام المحاسبة، وهذا صحيح، فالمحاسبة هي الجهة الأكثر دراية بالتكاليف الثابتة والمتغيرة إلا أن تحديد الأسعار يحتاج إلى متغيرات أخرى مثل:
التنبؤ بحجم المبيعات وهامش الربح (يقدر عادة بـ 20 في المائة من التكلفة الكلية للمنتج)، وهاتان المعلومتان خارجتان عن مهمة المحاسبة، فهي من مهام إدارة المبيعات التي تكون تحت مظلة التسويق.

كما أن إدارة العمليات (الإنتاج) تدعي أنها الأحق بتسعير المنتجات وتتذرع بأنها على دراية بأسعار المواد الخام، والآلات والمعدات، ورواتب العمال، وكل ما يخص الإنتاج،. وهذا الادعاء باطل، فليست المعرفة بهذه الأمور تخول لها مهمة تحديد الأسعار لأن تحديد السعر يأخذ في الاعتبار عدة أمور خارجة عن مهام إدارة العمليات مثل سلوك المستهلك، وقدرته الشرائية، والمنافسة، ودورة حياة المنتج، وهذه من مهام إدارة التسويق.

وعندما تأخذ هذه الصراعات حدتها فإننا نقترح على مدير التسويق تجنبها وترك مهمة تحديد الأسعار لأي إدارة ترى أنها أحق بها كالمحاسبة، أو إدارة العمليات، أو الإدارة المالية، أو أي جهة أخرى لها حظوة عند الإدارة العليا.

وعندما تُسلم المنتجات بعد تسعيرها لإدارة التسويق فما عليها سوى تغيير الأسعار بما تراه مناسباً لأحوال السوق. ونجح هذا الاقتراح في فض الاشتباك بين عدد من الإدارات في كثير من الشركات، لأن مهمة تغيير الأسعار وضبطها متفق عليها من الجميع أنها ضمن مهام إدارة التسويق، المشكلة تكمن فيمن يحدد السعر لأول مرة.

ونريد أن نخرج عن الموضوع قليلا وننوه بأن الإدارات التي عادة ما تهيج الصراعات داخل المنشآت ليس فقط في قضية تحديد الأسعار، بل في موضوعات أخرى هما المحاسبة وإدارة العمليات، لأن مهمة هاتين الإدارتين محدودة جدا، فالمحاسبة لا تتعدى مهمتها تسجيل وتوثيق البيانات التاريخية، والمهمة الرئيسة لإدارة العمليات تتمثل في إنتاج السلع والخدمات.

لذا تحاول هاتان الإدارتان التوسع ومد سطوتها على بقية الإدارات لأنها تخشى أن تتحول مع الوقت إلى إدارة تقدم خدمات فقط ولا تتخذ قرارات. وعندما تلاحظ الإدارة العليا تولد مثل هذه الصراعات فعليها أن تدمج المحاسبة ضمن المالية، وبذا يصبح اسمها الجديد الإدارة المالية، وهو أكثر وجاهة من كلمة محاسبة، ويطلق على هذا العمل في الفكر الإداري بـ "زخرفة الوظيفة".

نعود إلى موضوع التسعير ونقول إن مهمة تحديد الأسعار هي إحدى وظائف التسويق، لأنها الجهة المطلعة على أحوال السوق، والعرض والطلب ومرونة السعر، ومدى قبوله بين شرائح المستهلكين، وعلى جميع الإدارات التعاون في إنجاح هذه المهمة وأن تبتعد عن الاجتهادات الشخصية، وسوء الفهم، والتحيز على حساب أهداف الشركة ورسالتها، وإن لم تفعل فستكون الشركة غير قادرة على إدارة الأسعار، وهذا يمثل خطرا على بقائها واستمرارها وعلى الإدارة العليا أن تضع حدا لمثل هذه الفوضى لأنها إن استمرت فستفقد الشركة أهم ميزة وهي التعاون بين إداراتها وأقسامها، وبذا سيكون صراعها مع نفسها سبب فنائها.

والآن وبعد أن اتفقنا أن مهمة تسعير المنتجات من اختصاص إدارة التسويق دعونا نغور قليلا في مهام التسعير ونتعرف على كيفية تسعير المنتجات، أي كيف تسعر إدارة التسويق منتجات الشركة؟ وهذا يحتم علينا التطرق إلى عدة أمور من أبرزها: الطرق العامة للتسعير، استراتيجيات تسعير المنتجات الجديدة، استراتيجيات تسعير خليط المنتجات، كيفية ضبط وتعديل السعر وسنكمل مناقشته في المقال المقبل -ـ بإذن الله.


نشر بتاريخ 28-1-2012

جميع الحقوق محفوظة تجارة